النزوح الجماعي إلى سبتة يُعرّي الأحزاب ومن يتكلم باسم المغاربة؟

النزوح الجماعي إلى سبتة يُعرّي الأحزاب ومن يتكلم باسم المغاربة؟
سياسة / السبت 01 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: تهنئه بمناسبه ذكرى عيد العرش المجيد

أنتلجنسيا:ياسر اروين

في الوقت الذي هزت فيه مشاهد النزوح الجماعي لآلاف الشباب المغاربة نحو مدينة سبتة الرأي العام الوطني والدولي، بدا المشهد الحزبي المغربي وكأنه خارج التغطية، غائبا عن واحدة من أخطر القضايا الاجتماعية والسياسية التي طرحت نفسها بقوة خلال السنوات الأخيرة.

فبينما كانت وسائل الإعلام العالمية تتابع تطورات الأزمة ساعة بساعة، وحكومات أوروبية تعقد اجتماعات طارئة وتصدر مواقف متتالية، اختارت أغلب الأحزاب المغربية الصمت أو الاكتفاء ببيانات باهتة لا ترقى إلى مستوى الحدث ولا تفسر أسبابه العميقة ولا تقدم أي تصور لمعالجته.

هذا الغياب أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما يتجدد مع كل أزمة كبرى: هل ما تزال الأحزاب السياسية المغربية تمتلك القدرة على إنتاج الأفكار والبرامج والمواقف المستقلة، أم أنها تحولت إلى مجرد آليات انتخابية تتنافس على تدبير الشأن العام داخل الهوامش المتاحة دون امتلاك مشروع سياسي وفكري خاص بها؟

لقد كشفت أزمة سبتة، كما كشفت قبلها أزمات البطالة وغلاء المعيشة والتعليم والصحة، عن فراغ سياسي وفكري غير مسبوق داخل جزء كبير من الحقل الحزبي المغربي. فالأحزاب التي يفترض أن تكون مختبرات لإنتاج الحلول والرؤى والتصورات الاستراتيجية بدت عاجزة حتى عن تقديم قراءة متماسكة لما يجري في المجتمع.

ولم يظهر موقف سياسي واضح ومفصل من الأحداث سوى من طرف حزب النهج الديمقراطي العمالي الذي اختار إصدار بلاغ مطول حاول من خلاله تفسير الظاهرة وربطها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة.

أما باقي الأحزاب، سواء تلك الموجودة في الحكومة أو المحسوبة على المعارضة، فقد بدت وكأنها تراقب الأحداث من بعيد دون امتلاك الجرأة السياسية لتقديم تحليل مستقل أو موقف واضح من واحدة من أكبر موجات الهجرة الجماعية التي عرفتها المنطقة منذ سنوات.

ويرى متابعون للشأن السياسي أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بغياب المواقف، بل بغياب المشروع الفكري نفسه. فالكثير من الأحزاب المغربية لم تعد تنتج أفكارها الخاصة، ولم تعد تصوغ برامجها انطلاقا من مرجعياتها الإيديولوجية أو من تصوراتها للمجتمع والدولة والاقتصاد، بل أصبحت تشتغل داخل منطق تدبيري يركز أساسا على كيفية تنزيل السياسات العمومية القائمة أو التفاعل مع المبادرات الرسمية بدل اقتراح بدائل جديدة ومختلفة.

ولم يعد المواطن المغربي يسمع اليوم نقاشات كبرى حول الاشتراكية أو الليبرالية أو العدالة الاجتماعية أو الدولة الاجتماعية أو النموذج التنموي كما كان الأمر في مراحل سابقة من التاريخ السياسي للمغرب.

بل إن الحدود الفكرية بين الأحزاب أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى، إلى درجة أن البرامج الانتخابية لكثير منها تكاد تكون متشابهة، فيما أصبحت المعارك الانتخابية تدور أساسا حول الأشخاص والتحالفات والمواقع أكثر مما تدور حول الأفكار والمشاريع.

ويعتبر عدد من الباحثين أن الأحزاب المغربية دخلت منذ سنوات في أزمة بنيوية عميقة أفقدتها جزءا كبيرا من وظائفها التقليدية.

فبدل أن تكون فضاءات للتأطير والتكوين وإنتاج النخب والأفكار، تحولت في كثير من الأحيان إلى هياكل انتخابية موسمية تنشط قبيل الاستحقاقات وتختفي بعدها، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مستوى النقاش العمومي وجودة الخطاب السياسي.

وتبرز هذه الأزمة أكثر، و بشكل أوضح داخل الأحزاب التي كانت تاريخيا مرتبطة بالفكر اليساري أو الاشتراكي.

فهذه التنظيمات التي لعبت أدوارا مركزية في إنتاج الأفكار والنقاشات الكبرى حول الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحقوق والحريات، تعيش اليوم وضعا معقدا يتميز بتراجع التأثير الشعبي وضعف المبادرة الفكرية وانكماش الحضور داخل المجتمع.

ولعل أخطر ما تكشفه أزمة الصمت الحزبي تجاه ما وقع في سبتة هو اتساع الفجوة بين المؤسسات السياسية والمجتمع.

فحين يغامر آلاف الشباب بحياتهم في البحر أو عند الأسلاك الحدودية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بملف أمني أو إنساني، بل يمثل مؤشرا على وجود اختلالات عميقة تستدعي نقاشا وطنيا واسعا ومواقف سياسية واضحة.

غير أن غياب هذا النقاش يعمق الشعور لدى فئات واسعة من المواطنين بأن الأحزاب لم تعد قادرة على التعبير عن همومهم أو الدفاع عن تطلعاتهم.

وإذا كانت الديمقراطيات الحديثة تقوم على التنافس بين المشاريع والأفكار والبدائل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو، أين هي البدائل التي تقترحها الأحزاب المغربية؟ وأين هي التصورات المختلفة لمعالجة البطالة والهجرة والتعليم والصحة والسكن وغلاء المعيشة؟ وأين هي القراءات السياسية للأزمات الكبرى التي يعيشها المجتمع؟

إن المغرب، وهو يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متزايدة، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أحزاب قوية فكريا وسياسيا، قادرة على إنتاج خطابها الخاص وصياغة حلول جريئة ومبتكرة، وقادرة أيضا على قول "نعم" عندما تقتنع و"لا" عندما ترى أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.

فالحياة السياسية لا يمكن أن تزدهر في ظل الإجماع الدائم، كما أن الديمقراطية لا تتطور إلا بوجود تعددية حقيقية في الأفكار والرؤى والمواقف.

وفي ظل استمرار حالة الجمود الفكري والتنظيمي التي تطبع جزءا مهما من المشهد الحزبي، يبدو أن أكبر تحد يواجه السياسة المغربية اليوم ليس فقط استعادة ثقة المواطنين، بل استعادة القدرة على التفكير والإبداع السياسي وإنتاج الأفكار.

لأن الأحزاب التي تتوقف عن إنتاج الأفكار تتوقف تدريجيا عن التأثير، والأحزاب التي تفقد صوتها تفقد أيضا مبرر وجودها داخل المجتمع.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا بعد صدمة سبتة: إذا كانت الأحزاب لا تتحدث عندما يهتز المجتمع بأكمله، فمتى ستتحدث؟ وإذا كانت لا تملك أجوبة عن الأسئلة الكبرى التي تؤرق المغاربة اليوم، فما الدور الذي بقي لها في المستقبل السياسي للبلاد؟


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك