أنتلجنسيا:ياسر اروين
على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، يجد المغرب نفسه أمام اختبار سياسي حساس مع دخول جيل جديد بالكامل إلى المشهد الانتخابي، جيل وُلد في زمن الإنترنت والهواتف الذكية ويستعد لأول مرة في حياته لوضع صوته في صندوق الاقتراع، لكنه يدخل هذا الموعد وهو مثقل بجرعة كبيرة من الشك والغضب وانعدام الثقة في السياسة والمؤسسات.
هذا الجيل، الذي يطلق عليه عالمياً اسم "Generation Z"، يمثل كتلة انتخابية جديدة، قد تؤثر في موازين الانتخابات المقبلة، لكنه في المقابل يبدو أبعد من أي وقت مضى عن الأحزاب التقليدية والخطابات السياسية الكلاسيكية، التي لم تعد تقنع شريحة واسعة من الشباب المغربي.
فالشباب الذين سيصوتون لأول مرة سنة 2026، نشؤوا في سياق مختلف تماماً عن الأجيال السابقة، حيث تشكل وعيهم السياسي عبر شبكات التواصل الاجتماعي أكثر مما تشكل عبر المؤسسات الحزبية أو النقابية.
وهم جيل شاهد عن قرب أزمات البطالة وغلاء المعيشة وتراجع الثقة في العمل السياسي، كما تابع في الوقت نفسه سلسلة من القضايا المرتبطة باعتقال ومحاكمة شباب، بسبب تدوينات أو مواقف سياسية أو مشاركات في احتجاجات اجتماعية.
هذه المعطيات، خلقت لدى جزء مهم من هذا الجيل إحساساً بأن المجال السياسي في المغرب يعيش حالة انسداد، وأن التعبير عن الرأي قد يتحول في بعض الحالات إلى مصدر للمساءلة أو المتابعة القضائية، وهو ما انعكس بشكل واضح في النقاشات الرقمية الواسعة التي يقودها الشباب عبر المنصات الاجتماعية.
ويرى عدد من المتابعين، أن ما يحدث اليوم ليس مجرد عزوف انتخابي تقليدي، بل تحوّل عميق في علاقة الشباب بالسياسة.
فالكثير من شباب جيل زد، لا ينظرون إلى الأحزاب باعتبارها أدوات للتغيير، بل كجزء من منظومة فقدت قدرتها على تمثيلهم أو الدفاع عن قضاياهم الأساسية، من التشغيل والتعليم إلى العدالة الاجتماعية والحريات.
في المقابل، لا يخفي جزء من هذا الجيل شعوراً بالقلق من أن يتحول أول احتكاك سياسي حقيقي لهم مع الدولة، إلى تجربة صدام بدل أن يكون تجربة مشاركة ديمقراطية.
فالمتابعات القضائية، التي طالت بعض الشباب على خلفية نشاطهم الرقمي أو الاحتجاجي، تركت أثراً عميقاً في الوعي الجماعي لهذه الفئة، التي أصبحت تنظر إلى المجال العام بكثير من الحذر.
ورغم ذلك، فإن هذا الجيل لا يعيش فقط حالة انسحاب أو مقاطعة، بل أيضاً حالة بحث عن أشكال جديدة من الفعل السياسي خارج القنوات التقليدية.
فالشباب اليوم، يناقشون القضايا العامة عبر الفضاء الرقمي، وينظمون حملات ضغط إلكترونية، ويخلقون شبكات تأثير جديدة قد تكون أكثر فعالية في تشكيل الرأي العام من الخطابات الحزبية الكلاسيكية.
وفي هذا السياق، تبدو انتخابات 2026 لحظة مفصلية في علاقة الدولة المغربية بجيل جديد من المواطنين.
فإذا كانت صناديق الاقتراع، ستستقبل لأول مرة مئات الآلاف من الشباب الذين لم يسبق لهم التصويت، فإن السؤال الأكبر يبقى:هل سيذهب هؤلاء إلى التصويت بدافع الأمل في التغيير، أم بدافع الغضب من الواقع السياسي، أم أنهم سيختارون ببساطة الابتعاد عن لعبة لا يثقون في قواعدها؟
المؤكد أن جيل زد في المغرب، لم يعد جيلاً صامتاً كما كان يعتقد البعض...إنه جيل يتكلم كثيراً، يناقش بلا خوف في الفضاء الرقمي، ويطرح أسئلة صعبة حول السلطة والسياسة والعدالة الاجتماعية.
لكن ما يزال الغموض، يلف الطريقة التي سيترجم بها هذا الوعي الجديد، داخل صناديق الاقتراع سنة 2026.
فإما أن تتحول هذه الانتخابات إلى لحظة استعادة ثقة بين الشباب والسياسة، أو تتحول إلى محطة أخرى تعمق الفجوة بين جيل كامل وبين المشهد السياسي، الذي يفترض أنه يمثل مستقبله.
وفي الحالتين، يبدو أن المغرب مقبل على اختبار سياسي حقيقي، عنوانه الأبرز:كيف سيتصرف الجيل الذي لم يعد يقبل الصمت؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك