أنتلجنسيا:أبو جاسر
بعد سنوات من إطلاق المخطط الاستعجالي لإصلاح منظومة التعليم، الذي كلّف خزينة الدولة ما يقارب 44 مليار درهم، ما تزال تداعياته القانونية والسياسية تثير جدلاً حاداً حول جدوى الإصلاحات المعلنة وحدود المساءلة التي طالت بعض المسؤولين دون أن تمتد إلى مستوى القرار السياسي الذي أشرف على التصميم والتنفيذ.
المخطط الذي أُعلن في عهد الوزير السابق أحمد اخشيشين، وبمشاركة كاتبة الدولة المكلفة بالتعليم المدرسي آنذاك لطيفة العابدة، قُدّم حينها كبرنامج استعجالي لإنقاذ المدرسة العمومية وإعادة هيكلة القطاع عبر ضخ اعتمادات مالية ضخمة وتحديث البنية التحتية وتحسين الحكامة. غير أن تقارير رقابية لاحقة كشفت عن اختلالات في التدبير وصرف الميزانيات، لتبدأ مسارات متابعة قضائية استهدفت أساساً مدراء الأكاديميات الجهوية ومدراء إقليميين ورؤساء مصالح وأقسام، بينما بقيت الدائرة السياسية العليا خارج دائرة المحاسبة الفعلية.
هذا الاختلال في مسار المسؤولية أعاد إلى الواجهة انتقادات صادرة عن فعاليات مدنية، من أبرزها ما أثاره الحقوقي ورئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام محمد الغلوسي، الذي تساءل بشكل مباشر عن أسباب اقتصار المتابعات على المستوى الإداري الأدنى، في حين لم تُفتح مسارات جدية لمساءلة من صاغوا التوجهات الكبرى وأشرفوا سياسياً على البرنامج. واعتبر أن هذا الواقع يعزز الانطباع بوجود عدالة “بسرعتين”، تطال الهامش وتُعفي مراكز القرار من المحاسبة.
الجدل لا يتعلق فقط بتوزيع المسؤوليات، بل بطبيعة المنظومة التي تسمح – بحسب منتقدين – بتمرير مشاريع إصلاحية ضخمة دون آليات صارمة للرقابة والمتابعة اللاحقة. فالحديث عن هدر المال العام في سياق هذا المخطط ارتبط بتقارير عن اختلالات في الصفقات العمومية، وضعف في تقييم النتائج، وعدم انسجام بين الأهداف المعلنة والمؤشرات المحققة على أرض الواقع، ما يطرح سؤال الجدوى مقابل حجم التمويل الضخم الذي استُثمر فيه.
وتتجاوز الانتقادات ملف المخطط الاستعجالي إلى ما تلاه داخل القطاع نفسه، حيث ظهرت لاحقاً ملفات مرتبطة بصفقات وبرامج جديدة مثل مشروع “مدارس الريادة”، في مؤشر – وفق مراقبين – على استمرار إشكالات التدبير نفسها رغم تغير العناوين. هذا التكرار في الاختلالات يعزز المخاوف من أن غياب ربط حقيقي بين المسؤولية السياسية والمحاسبة القضائية يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس الأخطاء.
ويحذر الغلوسي وفاعلون آخرون من أن تفاقم مظاهر الفساد والإفلات من العقاب لا يهدد فقط مالية الدولة، بل يمس الثقة في المؤسسات ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي. فحين يشعر الرأي العام بأن المحاسبة انتقائية وأن العقوبات لا تطال إلا مستويات تنفيذية دون أن تشمل من اتخذ القرار، تتعزز القناعة بوجود فجوة في تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
في ظل هذه المعطيات، يتحول ملف المخطط الاستعجالي إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات الرقابية والقضائية على توسيع دائرة المساءلة لتشمل كل مستويات القرار، باعتبار أن مكافحة هدر المال العام ليست إجراءً تقنياً فقط، بل خياراً سياسياً يحدد مصداقية أي إصلاح مستقبلي في قطاع حيوي يمس ملايين التلاميذ والأسر.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك