أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
تعيش عدد من المؤسسات والمقاولات العمومية على وقع ارتباك غير مسبوق، بعدما رفعت المفتشية العامة للمالية منسوب التدقيق في ملفات حساسة تتعلق بسفريات وتعويضات لمسؤولين كبار خارج أرض الوطن، في خطوة تعكس شكوكا متزايدة حول تحول “المهام الرسمية” إلى بوابة مريحة لتصريف الامتيازات وتبادل المحاباة داخل دواليب الإدارة العمومية.
المعطيات المتداولة تفيد بأن مفتشي المالية باشروا افتحاصا معمقا لوثائق مرتبطة بـ“أوامر بمهمة” ودفاتر المهمات وتعويضات رحلات عمل بالخارج داخل عينة أولية من ثلاث عشرة مؤسسة عمومية، على خلفية توصلهم بإشعارات وتقارير رقابية تشير إلى اختلالات محتملة في طرق الترخيص والتأشير والصرف. هذه العمليات لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة تراكم مؤشرات حول استعمال بعض المسؤولين لآليات قانونية ظاهريا من أجل تمرير مهام غير مبررة، أو تضخيم نفقات مرتبطة بسفر وإقامة لا تخدم بالضرورة مصالح المؤسسات المعنية.
ووفق ما رشح من تفاصيل، فإن بوصلة التفتيش تتجه أساسا نحو التحقق من مدى ارتباط السفرات المصرح بها بمهام حقيقية ومحددة، ومدى احترام المساطر القانونية في منح الأذون والتأشير عليها، إضافة إلى التدقيق في طبيعة الامتيازات المصاحبة لتلك الرحلات، من درجات السفر الجوي إلى مستويات الإقامة ومدة المكوث بالخارج. كما يجري فحص التكاليف المالية بدقة، عبر مقارنتها بالأسعار المرجعية والعقود الموقعة مع مزودي الخدمات، في محاولة لرصد أي تضخيم أو تلاعب محتمل في النفقات.
هذا التحرك المفاجئ خلق حالة استنفار داخل عدد من المؤسسات، حيث سارع مسؤولون كبار إلى إعادة ترتيب ملفاتهم وسجلاتهم، والتأكد من استكمال الوثائق الشكلية المرتبطة بأوامر المهمة، خشية أن تكشف عملية الافتحاص عن تناقضات بين طبيعة المهام المعلنة والواقع الفعلي لإنجازها. وقد اعتمد المفتشون، بحسب المعطيات نفسها، على تقارير رقابة داخلية وخارجية، إضافة إلى محاضر الآمرين بالصرف، ما أتاح لهم بناء صورة أوضح عن مسارات الصرف والقرارات التي رافقتها.
ويكتسي هذا الملف حساسية خاصة في سياق معطيات مقلقة حول بنية الأجور والتعويضات داخل الوظيفة العمومية، إذ تشير الأرقام إلى أن فئة محدودة من الموظفين السامين تستحوذ على جزء وازن من الميزانية العامة، في وقت يظل فيه متوسط الأجر في القطاع العمومي بالمغرب من بين الأعلى إقليميا مقارنة بالناتج الداخلي الفردي. هذا الواقع يطرح، بقوة، سؤال العدالة في توزيع الموارد، وجدوى استمرار نمط تدبير يُتهم بتكريس الفوارق داخل الإدارة نفسها.
عمليات التفتيش، التي امتدت لتشمل تتبع نفقات صرفت خلال السنوات الأربع الماضية، تسعى إلى تحديد مصير تعويضات وفواتير مرتبطة بمهام خارجية، يُشتبه في أن بعضها لم يُنجز أصلا أو لم يكتمل، رغم توثيقه رسميا في دفاتر المهمات. وهو ما يفتح الباب أمام شبهات ثقيلة تتعلق بمنح تعويضات عن خدمات وهمية أو مبالغ فيها، بتأشير من مسؤولين يفترض فيهم حماية المال العام لا تسهيل استنزافه.
في المحصلة، يعيد هذا الملف طرح إشكالية الحكامة داخل المؤسسات العمومية، ويضع مصداقية آليات المراقبة على المحك، في وقت تتعالى فيه الأصوات المطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط كشعار سياسي، بل كممارسة فعلية توقف نزيف الامتيازات المقنّعة باسم “المهام الرسمية”، وتعيد الاعتبار لوظيفة الخدمة العمومية كالتزام لا كامتياز.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك