أنتلجنسيا:أبو فراس
أسدلت محكمة الاستئناف بوجدة الستار على أحد أكثر الملفات المرتبطة بالاحتجاجات الشبابية إثارة للجدل خلال الأشهر الأخيرة، بعدما أصدرت أحكاماً متفاوتة في حق ثلاثين شاباً توبعوا على خلفية ما بات يُعرف إعلامياً باحتجاجات “جيل زد”، في قضية تعكس مرة أخرى طبيعة التعاطي الرسمي مع موجات الغضب الاجتماعي والاحتجاجات الشبابية في المغرب.
القضية التي تابعتها منظمات حقوقية، من بينها الفضاء المغربي لحقوق الإنسان، انتهت بسلسلة من الأحكام تراوحت بين البراءة وأحكام سجنية بلغت خمس سنوات حبسا نافذا، في مشهد اعتبره متابعون رسالة صارمة من الدولة مفادها أن أي خروج إلى الشارع خارج القنوات الرسمية سيقابل برد قضائي وأمني قاس.
وبحسب المعطيات التي قدمتها الهيئة الحقوقية، فقد أدانت المحكمة سبعة عشر شاباً بتهم مرتبطة بتنظيم مظاهرة غير مرخص لها والمشاركة في تجمع ليلي ورفض مغادرة مكان الاحتجاج، وهي التهم التي اعتبرتها المحكمة كافية لإصدار أحكام بالسجن خمسة أشهر نافذة في حقهم مع غرامات مالية قدرها ألف درهم لكل واحد منهم.
كما شملت الأحكام متهمين آخرين واجهوا قائمة أثقل من التهم، من بينها إهانة موظفين عموميين أثناء أداء مهامهم، واستعمال العنف في حقهم، إضافة إلى تخريب ممتلكات مخصصة للمنفعة العامة وإلحاق خسائر بممتلكات خاصة والعصيان والمشاركة في تجمع غير مرخص، وهي التهم التي أدت إلى الحكم على كل واحد منهما بستة أشهر سجناً نافذاً مع غرامة مالية مماثلة.
القضية لم تتوقف عند هذا الحد، إذ قررت المحكمة أيضاً إدانة خمسة متابعين بتهم أكثر خطورة، من بينها المشاركة في إضرام النار عمداً في مواد قابلة لانتقال الحريق، ووضع عوائق في الطريق العام لعرقلة حركة المرور، إلى جانب اتهامات بإهانة موظفين عموميين والعصيان وتخريب ممتلكات عامة. وقد أصدرت المحكمة في حق هؤلاء أحكاماً بالسجن سنة واحدة، منها ستة أشهر نافذة والنصف الآخر موقوف التنفيذ.
أما الحكم الأكثر قسوة في الملف فصدر في حق متهم آخر وُجهت إليه التهم نفسها تقريباً، إضافة إلى تهمة السرقة في ظروف الليل والتعدد، حيث قضت المحكمة بسجنه خمس سنوات نافذة، في حين انتهت المتابعة في حق خمسة شبان آخرين بالبراءة.
لكن خلف هذه الأحكام القضائية، يرى مراقبون أن الملف يتجاوز مجرد وقائع جنائية أو مخالفات مرتبطة بالتظاهر، ليطرح سؤالاً أعمق حول طريقة تعامل الدولة مع موجات الاحتجاج التي يقودها جيل جديد من الشباب، خصوصاً في ظل تصاعد الخطاب المطالب بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية داخل الفضاء الرقمي وفي الشارع.
فبالنسبة لعدد من الفاعلين الحقوقيين، تعكس هذه الأحكام اتجاهاً متزايداً نحو استعمال الترسانة القانونية لردع الاحتجاجات غير المرخصة وإغلاق المجال أمام التعبيرات الميدانية للغضب الاجتماعي، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل المجتمع إلى فتح قنوات أوسع للحوار والاستماع إلى مطالب الشباب.
ويشير متابعون إلى أن السلطات العمومية باتت تعتمد مقاربة أمنية وقضائية أكثر صرامة في مواجهة الاحتجاجات، تقوم على تفكيك التجمعات بسرعة وملاحقة المشاركين فيها قضائياً بتهم متعددة تتراوح بين العصيان وإهانة موظفين عموميين والتجمهر غير المرخص وتخريب الممتلكات.
هذا النهج، بحسب منتقديه، يهدف إلى توجيه رسالة ردع واضحة ليس فقط للمشاركين في الاحتجاجات الحالية، بل لكل من يفكر في النزول إلى الشارع للتعبير عن رفضه أو معارضته لسياسات الدولة، خصوصاً في سياق اجتماعي واقتصادي متوتر تتزايد فيه مطالب الشباب بالكرامة والعدالة الاجتماعية وفرص الشغل.
وفي المقابل، تؤكد السلطات أن تطبيق القانون يظل الإطار الوحيد لتنظيم الاحتجاجات وضمان الأمن العام وحماية الممتلكات، معتبرة أن أي تحرك خارج المساطر القانونية يشكل تهديداً للاستقرار ويتطلب تدخلاً حازماً.
وبين الرواية الرسمية التي تتحدث عن تطبيق القانون، والانتقادات الحقوقية التي ترى في هذه الأحكام تضييقاً على حرية الاحتجاج والتعبير، يبقى ملف “احتجاجات جيل زد” واحداً من أكثر الملفات دلالة على طبيعة العلاقة المتوترة بين الدولة وجزء من شبابها، في مرحلة تتزايد فيها الأصوات المطالبة بالحقوق مقابل تشديد القبضة القانونية على الشارع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك