ترتيب المغرب ومرآة الاختلال العميق..عندما تجرّ لوبيات الفساد البلاد إلى القاع

ترتيب المغرب ومرآة الاختلال العميق..عندما تجرّ لوبيات الفساد البلاد إلى القاع
سياسة / السبت 24 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

يواصل المغرب حصد مراتب متأخرة في عدد من التصنيفات الدولية المرتبطة بالتنمية، الشفافية، محاربة الفساد، وجودة الحكامة، في مشهد لم يعد يثير الدهشة بقدر ما يفضح عمق الأعطاب البنيوية التي تنخر الدولة والمجتمع. فهذه النتائج ليست أرقاما معزولة ولا قدرا محتوما، بل هي حصيلة مباشرة لهيمنة لوبيات الريع ونهب المال العام، واستمرار منظومة حماية سياسية واقتصادية تجعل من الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء.

التقارير الدولية، سواء المتعلقة بمؤشر إدراك الفساد أو جودة المؤسسات أو جاذبية الاستثمار، تكاد تُجمع على تشخيص واحد: ضعف ربط المسؤولية بالمحاسبة، هشاشة استقلالية القرار العمومي، وتغلغل المصالح الخاصة في دواليب الدولة. وهي مؤشرات لا يمكن فصلها عن واقع تتحكم فيه شبكات نافذة راكمت ثروات ضخمة من الصفقات العمومية، ونهب العقار، وتبديد المال العام، دون أن تطالها مساءلة حقيقية.

لقد تحولت بعض المؤسسات، التي يفترض أن تكون رافعة للتنمية وحارسة للمال العام، إلى أدوات لتبييض الفساد أو التغطية عليه، عبر تعطيل التقارير، أو طيّ الملفات، أو إفراغ آليات المراقبة من مضمونها. وفي المقابل، يُترك المواطن المغربي وحيدا في مواجهة الغلاء، البطالة، تدهور الخدمات العمومية، وانسداد الأفق الاجتماعي، بينما تستمر قلة قليلة في الاستفادة من اقتصاد الامتيازات والحصانة غير المعلنة.

الأخطر من ذلك أن هذا الوضع لا يُضر فقط بصورة المغرب خارجيا، بل ينسف الثقة الداخلية في الدولة ومؤسساتها. فحين يرى المواطن أن ناهبي المال العام يراكمون النفوذ والثروة، ويُكافأ بعضهم بالمناصب أو الحماية، بينما يُلاحق المبلّغون عن الفساد ويُضيَّق على الأصوات النقدية، تصبح كل دعوات الإصلاح مجرد شعارات فارغة.

إن المسؤولية هنا ليست تقنية ولا إدارية فحسب، بل سياسية بامتياز. مسؤولية منظومة تسمح باستمرار الفساد البنيوي، وتتعامل معه ككلفة جانبية مقبولة، بدل اعتباره خطرا وجوديا على الاستقرار والتنمية. فالدول لا تسقط فقط بالأزمات الاقتصادية، بل حين تفقد العدالة، وتتحول القوانين إلى أدوات انتقائية، ويُختزل الوطن في غنيمة.

ترتيب المغرب في ذيل المؤشرات الدولية ليس ظلما من الخارج، بل إنذارا من الداخل والخارج معا. إنذار بأن لا تنمية دون قطع جذري مع اقتصاد النهب، ولا ثقة دون محاسبة حقيقية، ولا مستقبل دون تفكيك شبكات الفساد ومساءلة من يحميها، مهما كانت مواقعهم. وما دون ذلك، سيظل المغرب يدور في حلقة مفرغة، تُراكم الخيبات وتُبدد الفرص، وتؤجل الانفجار الاجتماعي بدل منعه.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك