كيف ابتلعت الدولة العميقة السياسة وأفرغت المؤسسات من معناها في المغرب؟

كيف ابتلعت الدولة العميقة السياسة وأفرغت المؤسسات من معناها في المغرب؟
سياسة / السبت 29 نونبر 2025 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين

لم يعد المشهد السياسي المغربي يشبه نفسه، أحزابٌ بلا مبادرة، معارضة بلا صوت، وبرلمان بلا سلطة.

كل المكونات التي كان يُفترض أن تشكّل العمود الفقري للحياة الديمقراطية تحوّلت تدريجياً إلى هياكل صورية تُصفّق بدل أن تناقش، وتصادق بدل أن تناور، وتنتظر التعليمات بدل أن تُنتج مشاريع سياسية مستقلة.

هذه الهشاشة البنيوية ليست صدفة…إنها نتيجة مسار طويل من التدجين والاختراق والتطويع.

المطبخ الحقيقي للقرار خارج المؤسسات

في المغرب، القرار السياسي لا يُصنع داخل الحكومة ولا في البرلمان ولا في مقرات الأحزاب، هناك مركز آخر للسلطة، أكثر صمتاً وأكثر فعالية، يتحكم في رسم الاتجاهات الكبرى، تعيين الوجوه الرئيسية، ضبط إيقاع الملفات، وتحديد سقف النقاش العمومي.

هذا المركز الذي يُعرف شعبياً بـ"الدولة العميقة" لم يعد مجرد مفهوم نظري، بل أصبح فاعلاً مباشراً يمسك بخيوط اللعبة من الخلف، ويترك للآخرين مهمة اللعب داخل مساحة ضيقة ومتحكم فيها.

انتخابات تُدار لا تُنافس فيها

كل دورة انتخابية في المغرب تبدو أقرب إلى عملية تنظيم مُحكمة لضبط التوازنات, وليس للتنافس الحقيقي. هندسة الأغلبية تُعَدّ سلفاً، اختيار الوجوه المناسبة يتم بعيداً عن صناديق الاقتراع، أما النتائج فتُترك كمرآة تُظهر أن كل شيء “ديمقراطي” بينما اللعبة محكومة مسبقاً.

وهكذا، تتولد حكومات وُلدت ضعيفة، لأنها لم تولد من إرادة الناخبين، بل من حسابات غرف مغلقة.

برلمان بلا مخالب  ومعارضة مكسّرة

المؤسسة التشريعية، التي يفترض أن تُراقب وتحاسب، تحوّلت إلى غرفة تسجيل للقرارات الجاهزة الحساسة.

وبرلمان يمرّر كل شيء دون مقاومة، ومعارضة فقدت أسنانها وتهجّنت لدرجة أنها أصبحت جزءاً من الديكور الديمقراطي، لا أكثر.

والنتيجة: مؤسسة جوفاء، عاجزة عن تمثيل المواطن أو الدفاع عنه أو حتى حماية نفسها.

إعلام رسمي مُسخّر وصحافة مستقلة محاصَرة

آلة الإعلام الرسمي وشبه الرسمي تُعيد إنتاج خطاب واحد، متجانس، مصقول، يلمّع الأداء السياسي ويخفي الأعطاب العميقة التي تنخره.

في المقابل، الصحافة المستقلة التي كانت تحاول الاقتراب من الحقيقة، واجهت حصاراً اقتصادياً، واعتقالات، وتشويهاً منظماً، حتى تحولت الساحة الإعلامية إلى مجال معقّم، لا يتحمّل الأصوات الجريئة أو الروايات المخالفة.

الفاعل الحقيقي:الأجهزة لا المؤسسات

تنامي نفوذ الأجهزة الأمنية والإدارية أصبح جزءاً ثابتاً من التوازنات السياسية. لم يعد دورها مقتصراً على حماية النظام العام، بل امتد إلى مراقبة الحقول الحزبية، ضبط التعيينات، إدارة الاحتجاجات، واستباق أي حراك غير مرغوب فيه.

هذا التغلغل العميق جعل السياسة نفسها فرعاً من فروع الإدارة الأمنية، لا مجالاً للصراع الديمقراطي.

إعادة إنتاج نفس النموذج وبلا أفق

ما يُقلق في المشهد السياسي المغربي ليس فقط ضعف الأحزاب، بل استمرار إنتاج نفس النموذج مهما كانت الظرفية.

النموذج الذي يمنح السلطة الفعلية لدوائر غير منتخبة، ويترك للمؤسسات المنتخبة دوراً تمثيلياً يزداد ضموراً مع مرور الوقت.

في ظل هذا الواقع، تزداد الفجوة بين المواطن والسياسة، ويزداد العزوف، بينما تترسخ قناعة مفادها أن التغيير الحقيقي لا يأتي عبر صناديق الاقتراع بل عبر مراكز نفوذ غير مرئية.

 سياسة بلا سياسة وديمقراطية بلا ديمقراطيين

المشهد السياسي المغربي اليوم يقف على حافة الفراغ، حيث مؤسسات مُفرغة، أحزاب مُنهَكة، معارضة مُربَّية، وإدارة عميقة تتحكم في خيوط اللعبة.

إنه نظام سياسي يعيش بثنائية صادمة:ظاهر ديمقراطي منظم وباطن يحكمه منطق السيطرة الصارمة.

ويبقى السؤال الكبير الذي يفرض نفسه اليوم هو:إلى متى يمكن لهذا التوازن المختل أن يستمر دون أن يدفع المغرب ثمن غياب السياسة؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك