أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل
يواصل
الاستثمار العمومي لعب دور أساسي في دعم النشاط الاقتصادي بالمغرب، بعدما أصبحت
المشاريع الكبرى في البنية التحتية والتجهيزات والخدمات من أبرز المحركات التي
تراهن عليها المملكة للحفاظ على وتيرة النمو وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني، في
وقت تشهد فيه البلاد توسعاً متواصلاً في أوراش الطرق والموانئ والسكك الحديدية
والمطارات والمنشآت الرياضية والمشاريع المرتبطة بالماء والطاقة، وهي استثمارات لا
تستهدف فقط تحسين البنية التحتية وإنما تسعى أيضاً إلى خلق فرص جديدة أمام المقاولات
وتحريك الطلب الداخلي ودعم قطاعات اقتصادية واسعة.
وتكتسي هذه
الاستثمارات أهمية خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي يعرفها المغرب، حيث أصبحت
البنية التحتية الحديثة عاملاً حاسماً في جذب المستثمرين وتطوير الصناعة والخدمات
وتحسين القدرة اللوجستية للمملكة، كما أن توسيع شبكات النقل والربط بين المدن
والمناطق الصناعية والموانئ يساهم في تقليص كلفة نقل البضائع وتحسين سرعة التبادل
التجاري، وهو ما يعزز موقع المغرب كوجهة استثمارية إقليمية ويمنح القطاعات
الإنتاجية قدرة أكبر على الوصول إلى الأسواق الوطنية والدولية.
وتستفيد
قطاعات البناء والأشغال العمومية والهندسة والصناعة والنقل والخدمات من حجم
المشاريع المبرمجة، إذ تخلق الأوراش الكبرى طلباً على اليد العاملة والمواد
والتجهيزات والخدمات المرتبطة بها، كما تمنح المقاولات المغربية فرصاً للمشاركة في
سلاسل التوريد وتنفيذ المشاريع، غير أن حجم الاستثمارات يفرض في المقابل ضرورة
ضمان استفادة أوسع للمقاولات الصغيرة والمتوسطة وعدم ترك النشاط الاقتصادي مركزاً
فقط لدى الشركات الكبرى، حتى يتحول الإنفاق العمومي إلى محرك أكثر انتشاراً للنمو
وفرص الشغل.
ويأتي هذا
التوجه في وقت تسعى فيه المملكة إلى مواصلة تنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية
استعداداً لاستحقاقات دولية ورياضية كبرى، وهو ما يرفع الحاجة إلى تسريع إنجاز
البنيات التحتية وتحسين جودة المرافق والخدمات في عدد من المدن والمناطق، كما أن
هذه المشاريع يمكن أن تترك آثاراً اقتصادية طويلة المدى إذا تم استغلالها بعد
انتهاء مراحل الإنجاز بطريقة تضمن مردوديتها واستدامتها، خصوصاً في مجالات النقل
والسياحة واللوجستيك والطاقة والماء.
ورغم أهمية
الاستثمار العمومي في تحريك الاقتصاد، فإن التحدي الأساسي يبقى مرتبطاً بمدى قدرته
على خلق قيمة اقتصادية مستدامة وليس فقط رفع حجم الإنفاق، فالمشاريع العمومية
تحتاج إلى دراسات دقيقة وتقييم مستمر للتكلفة والمردودية، كما تحتاج إلى مراقبة
جودة الإنجاز واحترام الآجال والميزانيات، لأن ارتفاع حجم الاستثمار دون ضمان
الفعالية قد يقلل من أثره على النمو ويزيد الضغط على المالية العمومية، ولذلك أصبح
تحسين الحكامة وربط الإنفاق بالنتائج من الملفات الأساسية في السياسة الاقتصادية.
كما يمثل
الاستثمار العمومي فرصة لتقليص الفوارق بين المناطق إذا تم توجيه جزء مهم منه نحو
المناطق التي تعاني من ضعف التجهيزات والبنيات الأساسية، فربط القرى والمناطق
النائية بالطرق والماء والكهرباء والإنترنت وتحسين وسائل النقل يمكن أن يفتح
المجال أمام أنشطة اقتصادية جديدة ويعزز فرص السكان في التعليم والصحة والعمل، وهو
ما يجعل الاستثمار في البنية التحتية جزءاً من السياسة الاقتصادية والاجتماعية في
الوقت نفسه وليس مجرد أوراش إنشائية.
وبين الرهان
على استمرار النمو والضغوط التي تفرضها الظروف الاقتصادية العالمية، يبدو أن
المغرب سيواصل الاعتماد على الاستثمار العمومي باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية
لدعم الاقتصاد وتحريك القطاعات الإنتاجية، غير أن المرحلة المقبلة ستتطلب التركيز
أكثر على جودة المشاريع ومردوديتها وعلى قدرتها على خلق فرص شغل حقيقية وتحسين دخل
الأسر وتعزيز تنافسية المقاولات، حتى يتحول حجم الاستثمارات إلى نتائج ملموسة يشعر
بها المواطن والاقتصاد الوطني على حد سواء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك