أنتلجنسيا:أبو فراس
وضعت مؤسسة وسيط المملكة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في صدارة النقاش الوطني، محذرة من استمرار اختلالات التدبير الإداري، وداعية إلى إعادة بناء هذا الورش على أساس قيادة حكومية واضحة وحوار عمومي واسع يحدد الأولويات ويربط المسؤولية بالنتائج.
وجاء موقف المؤسسة في مذكرة يقظة جديدة بعنوان «سياسات الإصلاح الإداري والحاجة إلى حوار عمومي واسع، وتموقع حكومي واضح»، في توقيت تقترب فيه البلاد من الاستحقاقات التشريعية المقبلة، وما ستفتحه من نقاش حول شكل السياسات العمومية وأولويات الحكومة المقبلة.
وتستند المؤسسة في تشخيصها إلى موقعها الدستوري وعلاقتها المباشرة بالإدارة وحقوق المرتفقين، فضلا عن التجربة التي راكمتها من خلال معالجة شكايات المواطنين وإعداد تقاريرها السنوية، وهي معطيات تقول إنها تكشف بوضوح حجم تأثير طريقة اشتغال الإدارة وتنظيم المرافق العمومية على الحقوق اليومية للمواطنين.
وترى مؤسسة وسيط المملكة أن الإدارة لم تعد مجرد جهاز لتنفيذ القرارات الحكومية، بل أصبحت الاختبار الأكثر مباشرة لعلاقة المواطن بالدولة، لأن المرتفق يلمس من خلالها مدى احترام الآجال، ووضوح المسؤوليات، وجودة الخدمات، والقدرة على الإنصات، والتعامل الجدي مع الشكايات والتظلمات.
وتلفت المذكرة إلى أن انتقال الحكومات وإعادة توزيع الاختصاصات وإعادة هيكلة القطاعات يمكن أن تخلق ارتباكا في تداول الملفات، وتحديد الجهات المسؤولة عنها، ومواصلة تنفيذ الالتزامات السابقة، فضلا عن التأخر في حسم قضايا أصبحت جاهزة للبت.
ولا ترى المؤسسة أن هذه المشاكل تبقى محصورة داخل الإدارة، إذ يمكن أن تنعكس مباشرة على المواطن من خلال تعطيل الخدمات وتأخير معالجة التظلمات وإطالة آجال البت في الملفات، وهو ما يجعل استمرارية المرفق العمومي، بحسب تصورها، ضمانة أساسية لحماية حقوق المرتفقين ومصالحهم المشروعة.
وتدفع المذكرة باتجاه تغيير النظرة التقليدية إلى إصلاح الإدارة، معتبرة أن القضية لا تختزل في تغيير الهياكل أو إعادة توزيع المصالح والاختصاصات، وإنما تشمل أيضا ثقافة العمل الإداري، وطريقة التعامل مع المواطن، وجودة الخدمات، والقدرة على تفسير القرارات وتصحيح الاختلالات والاستجابة للتظلمات.
كما تضع المؤسسة تبسيط المساطر واللاتمركز الإداري وترشيد الهياكل وتخليق الحياة الإدارية والرقمنة وتحسين الخدمات العمومية ضمن ورش واحد مترابط، يحتاج إلى قيادة سياسية ومؤسساتية قادرة على التنسيق والتتبع وضمان عدم تحول الإصلاحات إلى مبادرات متفرقة تفتقد الاستمرارية.
وتقترح مؤسسة وسيط المملكة اعتماد إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية كسياسة عمومية أفقية تتجاوز حدود قطاع حكومي واحد، مع إسنادها إلى قيادة حكومية محددة وإطار مؤسساتي مستقر، بما يسمح بتوحيد الرؤية وربط مختلف البرامج ببعضها وضمان استمرارها حتى مع تغير الحكومات والمسؤولين.
وفي واحدة من أبرز توصياتها، تدعو المؤسسة إلى إنشاء منظومة وطنية لتقييم الأداء الإداري، لا تكتفي بقياس حجم الإجراءات والهياكل، وإنما تعتمد مؤشرات ملموسة تقيس سرعة وجودة الخدمات، وسهولة الولوج إليها، واحترام آجالها، ورضا المواطنين، ومدى تجاوب الإدارات مع التظلمات وتنفيذ التوصيات.
وتحاول هذه المقاربة نقل النقاش من سؤال «ماذا فعلت الإدارة؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «ماذا حققت للمواطن؟»، بما يجعل جودة الخدمة والنتائج الفعلية واحترام حقوق المرتفقين معايير أساسية للحكم على أداء المرافق العمومية.
وتأتي هذه الدعوة في سياق سياسي يستعد فيه المغرب لنقاش واسع حول الأولويات الحكومية المقبلة، حيث تضع مؤسسة وسيط المملكة إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية أمام اختبار جديد، باعتباره ورشا لا يرتبط فقط بالتدبير الداخلي للدولة، بل بثقة المواطن في المؤسسات وبمدى شعوره بأن الإدارة تعمل لخدمته وليس لتعقيد حياته.
وتخلص المذكرة إلى أن نجاح الإصلاح يتطلب أكثر من قرارات ظرفية أو تغييرات تنظيمية، بل يحتاج إلى حوار عمومي يحدد موقع الإدارة والوظيفة العمومية داخل المشروع الحكومي المقبل، وإلى قيادة واضحة واستقرار في التدبير وتقييم مستمر يسمح بقياس النتائج وتصحيح المسار.
وبهذا الطرح، تضع مؤسسة وسيط المملكة الأحزاب والحكومات المقبلة أمام سؤال سياسي مباشر: هل سيبقى إصلاح الإدارة مجرد شعار يتكرر مع كل برنامج حكومي، أم يتحول أخيرا إلى ورش وطني واضح المسؤوليات، قابل للقياس والمحاسبة، ويقاس نجاحه بما يلمسه المواطن فعليا في المستشفى والمدرسة والإدارة ومختلف المرافق العمومية؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك