لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة3)

لماذا تأخر ظهور أدب السجون المنبثق عن تجربة المعتقلين الإسلاميين في المغرب؟(الحلقة3)
بانوراما / السبت 22 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

من العبرة إلى السيرة: أثر الثقافة التنظيمية والدينية

تقدم بعض البيئات الإسلامية تجربة السجن بوصفها امتحانا للصبر والثبات والاحتساب أمام الله، وهو إطار تفسيري ديني وأخلاقي يمنح المعاناة معنى متعاليا يتجاوز حدود الألم الجسدي المباشر، ويساعد صاحب التجربة على تحملها نفسيا وروحيا. غير أن هذا الإطار التفسيري، على قيمته النفسية والروحية البالغة الأهمية بالنسبة إلى الفرد المعني، قد يدفع أحيانا، حين ينتقل إلى مستوى الكتابة والتدوين، إلى تقديم التجربة في صورة موعظة دينية أو دفاع مستمر عن صحة الموقف الفكري والعقدي، بدل الانخراط في عملية تفكيك حقيقية للذات وتحليل معمق لآثار السجن في الجسد والعائلة واللغة والهوية الشخصية. ولا يعني هذا التحليل بأي حال أن الكتابة ذات المرجعية الدينية عاجزة بنيويا عن إنتاج أدب رفيع المستوى، بل يعني، بدقة أكبر، أن انتقال النص من مقام (العبرة) الوعظية إلى مقام (السيرة) الأدبية المكتملة يحتاج إلى مساحة نصية وذهنية تسمح بالتناقض والشك والندم والتحول الفكري، وهي عناصر قد تبدو في ظاهرها متعارضة مع خطاب اليقين الديني السائد في بعض السياقات التنظيمية.

فأدب السجون بالمعنى الأدبي والإنساني الواسع لا يكتفي بإثبات وقوع التعذيب وتوثيقه، على أهمية هذا التوثيق القصوى من الناحية الحقوقية والتاريخية، بل يسأل أسئلة أعمق وأكثر تعقيدا: كيف أعاد السجن تشكيل الذات الفردية من الداخل؟ كيف تغيرت علاقة المعتقل بالدين نفسه، تعميقا أو تحولا أو حتى شكا مؤقتا؟ كيف أعاد فهمه للخصم وللدولة ولمفهوم السلطة عموما؟ ماذا فعل الخوف المستمر بإحساسه بالزمن وبتتابع الأيام داخل الزنزانة؟ كيف أثرت التجربة الطويلة في علاقته بالزواج والأبناء والعمل بعد الإفراج؟ هل تغيرت مواقفه السياسية جذريا أو جزئيا؟ وهل ظهرت لديه مراجعات فكرية صريحة يعترف بها في نصه؟ هذه الأسئلة، وهي أسئلة إنسانية بامتياز، لا تنتقص بأي شكل من أشكال الثبات الديني الذي قد يحتفظ به الكاتب، لكنها تجعل التجربة، حين يجيب عنها النص بصراحة وعمق، قابلة للتحليل الأدبي والنفسي والإنساني على نحو أوسع بكثير من مجرد السرد الوقائعي المجرد.

قد يكون بعض المعتقلين السابقين مترددين، بحكم انتمائهم التنظيمي المستمر أو السابق، في إظهار الضعف الإنساني أو الحيرة الفكرية أو حتى الخوف اللحظي، لأن الثقافة التنظيمية السائدة في بعض الأطر الإسلامية تتوقع من العضو المنتمي أن يقدم نموذجا للثبات والصمود لا يتزعزع أمام القارئ أو أمام الجماعة نفسها. كما أن الاعتراف الصريح بالخلاف الداخلي بين أعضاء الجماعة الواحدة، أو الاعتراف بالخطأ التقديري أو الاستراتيجي، قد يفهم من داخل الجماعة نفسها بوصفه طعنا في تماسكها ووحدتها، وهو ما يشكل رادعا نفسيا واجتماعيا إضافيا أمام الكتابة الصريحة. لذلك تميل بعض النصوص المتاحة إلى سرد نمط من (البطولة الجماعية) المتماسكة، بينما يتطلب الأدب السجني بمعناه العميق، في غالب الأحيان، تفرد الصوت الفردي واستعادة هشاشته الإنسانية الخاصة دون خجل أو تحفظ مفرط. وهذا عامل تفسيري محتمل ومنطقي، لكنه يظل بحاجة إلى اختبار ميداني منهجي عبر مقابلات معمقة مع معتقلين سابقين، لا إلى تعميم قطعي يفترض صحته مسبقا دون دليل تجريبي كاف.

ويمكن أن نضيف إلى هذا التحليل ملاحظة مقارنة مفيدة: فالكتابة اليسارية عن السجن استفادت، في جزء منها على الأقل، من تقليد ماركسي وعلماني أوسع يشجع على النقد الذاتي بوصفه أداة تحليلية مشروعة، بل ضرورية أحيانا، لفهم أخطاء التنظيم وتصحيح مساره. أما بعض التقاليد الدينية والدعوية، فقد لا تمنح النقد الذاتي العلني المساحة الرمزية نفسها، خصوصا حين يتعلق الأمر بقضايا حساسة مثل استراتيجيات المواجهة مع الدولة أو تقييم قرارات القيادة التنظيمية. وهذا الفارق في التقاليد الثقافية الداخلية للحركتين، أكثر من كونه فارقا في القدرة الأدبية المجردة، يفسر جزئيا لماذا مالت بعض الكتابات الإسلامية إلى نمط سردي أقرب إلى الشهادة الحقوقية المباشرة منه إلى السيرة الأدبية التأملية المفتوحة على الشك والمراجعة.

الخوف من كشف الماضي التنظيمي وإعادة القراءة الأمنية

تتجاوز السيرة السجنية، في العمق، مجرد وصف الزنزانة وتفاصيل التعذيب الجسدي فهي قد تكشف، بحكم طبيعتها السردية التفصيلية، أسماء القيادات التنظيمية، ومسارات التجنيد داخل الجماعة، والعلاقات الداخلية بين الأعضاء، ومصادر التمويل المحتملة، والخلافات الفكرية والاستراتيجية التي عرفتها الجماعة عبر تاريخها، والمواقف المتباينة من الدولة ومن مسألة العنف السياسي بمفهومه الواسع، والتحولات الفكرية التي قد يكون مر بها الفرد أو الجماعة ككل. وبذلك تصبح الكتابة عن السجن، شئنا أم أبينا، كتابة عن التنظيم نفسه بشكل غير مباشر لكنه واقعي. وقد يجد الكاتب المحتمل نفسه، نتيجة لذلك، محاصرا بين رقابة الدولة المحتملة من جهة، وعتب الجماعة أو المحيط الاجتماعي والأسري المقرب منه من جهة أخرى، وهو وضع نفسي واجتماعي بالغ التعقيد يثني كثيرين عن الشروع في الكتابة أصلا.

يضاف إلى ذلك أن الشهادة الصادرة عن معتقل من فترة ما بعد 2003 قد تقرأ أمنيا، بغض النظر عن نية كاتبها الأصلية، بوصفها اعترافا ضمنيا، أو محاولة تبرير مقنعة، أو كشفا غير مقصود لشبكات تنظيمية حساسة، أو حتى مادة خام لتحليل ظاهرة التطرف من منظور أمني بحت يجرد النص من بعده الإنساني. وبما أن كثيرا من المعتقلين، وفق ما توثقه التقارير الحقوقية الدولية المتعددة، تعرضوا لاحتجاز مطول تجاوز أحيانًا المدة القانونية المسموح بها، أو لضغوط جسدية ونفسية بهدف انتزاع اعترافات خلال مرحلة التحقيق الأولي [3]، فإن إعادة فتح هذا الملف عبر الكتابة قد تثير خوفا جسديا ونفسيا مستمرا لدى الناجي، لا يقتصر على احتمال ملاحقته هو شخصيا، بل يمتد أحيانا إلى خشية من تبعات محتملة تطال عائلته أو من ما زال قريبا منه من رفاق التجربة. ومن الطبيعي تماما، من هذا المنظور النفسي والاجتماعي، أن يختار الناجي الصمت الآمن إذا اعتقد، بناء على تجربته المريرة السابقة مع الدولة، أن كل جملة يكتبها قد تستخدم يوما ما ضده أو ضد من يحب.

ويؤكد تقرير هيومن رايتس ووتش الصادر سنة 2010 تحت عنوان (توقفوا عن البحث عن ابنكم)، والذي وثق حالات اعتقال متصلة بالإرهاب بين سنتي 2007 و2010، استمرار نمط من الانتهاكات الإجرائية يشمل اعتقال أشخاص من قبل عناصر بلباس مدني دون إبراز هوية أو مذكرة قضائية، واحتجازهم في أماكن سرية غير معلنة، وتعرضهم لسوء المعاملة أو التعذيب أثناء الاستنطاق، واحتجازهم في مرحلة ما قبل المثول أمام القضاء لمدد تتجاوز أحيانا السقف القانوني الأقصى المحدد باثني عشر يوما، دون إخطار أسرهم بمكان وجودهم [5]. ويوضح التقرير نفسه أن هذا النمط من الانتهاكات، وإن تراجع من حيث الحدة العددية مقارنة بذروته سنة 2004، ظل قائما بأشكال مختلفة لدى الأعداد الأقل من المعتقلين اللاحقين، وهو ما يديم لدى المعنيين بهذه القضايا شعورا مستمرا بالخطر لا يزول بمجرد انقضاء فترة الاعتقال أو حتى الإفراج النهائي [5].

لهذا كله ينبغي أن تدرس الكتابة عن هذه التجربة، من الناحية المنهجية والأخلاقية، بوصفها فعلا محفوفا بمخاطر حقيقية وملموسة، لا بوصفها مجرد قرار فردي حر بالكامل يتخذه الكاتب بمعزل عن سياقه. فالنشر، في مثل هذه الحالات الحساسة، يحتاج إلى ضمانات قانونية واضحة تحمي الكاتب من تبعات محتملة، وإلى حماية فعالة لخصوصية الأشخاص الآخرين المذكورين في النص، وإلى أخلاقيات بحثية واضحة ومعلنة في مقابلة الناجين من قبل الباحثين أو الصحفيين، وإلى الحرص الشديد على عدم تحويل الشهادة الشخصية إلى مادة إثارة إعلامية رخيصة أو أداة في معركة سياسية آنية. كما يتطلب الأمر، من الباحث أو الصحفي المعني بجمع هذه الشهادات، الاعتراف الكامل بأن الناجي قد يغير روايته بمرور الوقت، أو يؤجل نشرها لسنوات إضافية، أو يرفض نشرها نهائيا في أي وقت، وأن هذا الرفض، مهما بدا مخيبا للباحث، هو جزء أصيل ومشروع من حق الناجي في السيطرة الكاملة على ذاكرته الخاصة وقرار الإفصاح عنها من عدمه.

الصدمة والزمن والذاكرة المؤجلة

تفترض القراءة السطحية والمتسرعة لظاهرة الشهادات المتأخرة أن من تعرض للتعذيب سيكتب عنه فورا بعد الإفراج، أو على الأقل خلال سنوات قليلة تالية للحدث. لكن الأدبيات النفسية المتخصصة في دراسة الصدمة  تبين أن الصدمة النفسية العميقة قد تنتج، على العكس تماما من هذا الافتراض الساذج، آليات دفاعية معقدة تشمل الصمت الطويل، والتجنب الواعي أو اللاواعي لأي حديث عن التجربة، والانفصال النفسي الجزئي عن الحدث المؤلم كوسيلة للبقاء النفسي، والخوف المستمر من مجرد استعادة تفاصيله بالكلمات. وقد لا يصبح السرد المتماسك ممكنا نفسيا إلا بعد مسافة زمنية طويلة نسبيا تسمح للناجي بإعادة بناء حياته الشخصية وعلاقاته الأسرية والاجتماعية وموقعه المهني والاجتماعي العام بشكل مستقر نسبيا. ولذلك لا ينبغي، من الناحية المنهجية، اعتبار التأخر في الكتابة دليلا على عدم أهمية التجربة أو ضعف وقعها على صاحبها بل قد يدل هذا التأخر بالذات، على العكس تماما، على شدة هذه التجربة وعمق أثرها النفسي المستمر.

تؤثر المسافة الزمنية أيضا في مضمون الشهادة ذاتها حين تكتب أخيرا، لا في مجرد توقيت كتابتها. فبعد مرور عقود على وقوع الحدث الأصلي، قد تختلط بعض التفاصيل الدقيقة في ذاكرة الناجي، وقد تتداخل وقائع منفصلة زمنيا في سردية واحدة، لكن هذا لا يجعل الشهادة، من الناحية العلمية والتاريخية، عديمة القيمة أو غير جديرة بالدراسة الجادة كما قد يظن بعضهم. بل إن الذاكرة المتأخرة، بما تحمله من إعادة تنظيم وتأويل لاحق، تكشف في حد ذاتها كيف يعيد الناجي تفسير ماضيه من موقعه في الحاضر، وهو معطى تحليلي بالغ الأهمية لدارسي الذاكرة الجماعية بقدر أهمية الوقائع الخام نفسها. ولهذا السبب بالذات تحتاج الدراسة الأكاديمية الجادة لهذا النوع من الشهادات إلى الجمع المنهجي بين رواية الناجي الشخصية والوثائق القضائية والصحفية المتاحة وشهادات أفراد الأسرة والمحامين الذين واكبوا القضية، من دون اختزال قيمة الذاكرة الشخصية بأكملها في معيار وثائقي صارم واحد قد لا يتوفر دائما بالكامل.

إن مرور الزمن الطويل يهدد الذاكرة الإسلامية المغربية غير المكتوبة بعد بأشكال متعددة ومتراكمة يصعب تجاهلها: وفاة الشهود المباشرين على الأحداث تباعا مع تقدم العمر، وضياع الرسائل الشخصية والدفاتر التي كانت تكتب أحيانا داخل السجن نفسه أو تهرب منه، وتلف الوثائق المادية بفعل الزمن أو سوء الحفظ، وتشتت أرشيف المحامين الذين تولوا الدفاع عن هذه القضايا بعد تقاعدهم أو وفاتهم، وحذف بعض المواد الرقمية من الإنترنت أو فقدانها بفعل تغير المنصات التقنية، وتغير مواقف بعض الأسر بمرور الوقت تجاه الإفصاح العلني عن تفاصيل هذه التجربة الحساسة. لذلك فإن التأخر في هذا السياق ليس قضية أدبية بحتة فحسب، بل هو في جوهره قضية أرشيف وطني بامتياز تستدعي تدخلا مؤسساتيا عاجلا. وقد ربط المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، في متابعته المستمرة لتفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، بين حفظ الذاكرة الوطنية وبين تحويل بعض أماكن الاعتقال السابقة إلى فضاءات للذاكرة مفتوحة للزيارة والبحث، وهو مسار مؤسساتي يمكن أن يستفاد من منهجيته لاحقا في التعامل مع أماكن اعتقال إسلاميين لم تحظ بعد بمعالجة مماثلة.

يمكن، بناء على هذا التحليل المفصل، تسمية هذا الوضع القائم بمفهوم إجرائي جديد تقترحه هذه الدراسة، وهو (الذاكرة الإسلامية المؤجلة) أي ذاكرة لم تختف فعليا من الوجود ولم تنقطع خيوطها بالكامل، لكنها لم تنتقل بعد من التداول العائلي أو التنظيمي الضيق إلى الشهادة المنشورة والمتاحة عموما، ولا من الكتاب المنشور، إن وجد أصلا، إلى الأرشيف الرسمي المنظم، ولا من الأرشيف إلى الذاكرة الوطنية المعترف بها جماعيا وتربويا. ويتيح هذا المفهوم الإجرائي تجاوز الثنائية المبسطة والمضللة بين الوجود التام والغياب التام، فالنص غير المنشور المحفوظ في درج شخصي، والتسجيل الصوتي الخاص، ودفتر السجن المكتوب سرا، ورسالة الزوجة المحفوظة، وشهادة الأم الشفوية المتناقلة داخل الأسرة، كلها أجزاء فعلية وحية من الذاكرة الجماعية حتى لو لم تتحول بعد إلى كتاب مطبوع متداول في السوق الثقافية العامة.

(عائد من المشرحة) بوصفه نصا كاشفا للفجوة

تكتسب مذكرات أحمد الحو (عائد من المشرحة)، الصادرة عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر بالرباط سنة 2021، أهمية تحليلية خاصة في سياق هذه الدراسة، لأنها تكسر فعليا حاجز الصمت الطويل وتطرح بقوة سؤال التراكم المؤجل. فالكاتب، وفق ما تناقلته تغطيات صحفية متعددة عند صدور الكتاب، أمضى قرابة خمس عشرة سنة كاملة في السجن ما بين 1983 و1998، بعد أن حكم عليه بالإعدام في سياق قضايا مرتبطة بأحداث سنوات الرصاص، ورفض في مناسبات متعددة طلب الاستفادة من العفو الملكي احتجاجا وتضامنا مع رفاقه، بل واصل داخل السجن تنظيم إضرابات جماعية عن الطعام امتدت أحيانا لأكثر من شهر كامل دفاعا عن حقوق معتقلي الرأي. فإذا كانت التجربة التي يرويها هذا النص تعود جذورها إلى ثمانينيات القرن العشرين، ولم تظهر مع ذلك في كتاب واضح المعالم إلا سنة 2021، فإن ذلك يكشف بجلاء تام عن مسافة زمنية تناهز أربعة عقود كاملة تفصل بين وقوع المعاناة الفعلية ونشرها للجمهور العام.

ينبغي التعامل مع هذا الكتاب، منهجيا، بوصفه مصدرا أوليا ثريا يحتاج بدوره إلى قراءة نقدية متعددة المستويات، لا بوصفه وثيقة تاريخية مكتفية بذاتها لا تحتاج إلى تحليل أو سياقة. فالدراسة الأدبية المتخصصة تسأل، عند مقاربتها لمثل هذا النص، عن بنية السرد الداخلية وتقنياته، وترتيب الزمن السردي وعلاقته بالزمن الفعلي للأحداث، وصورة الجلاد كما تبنى داخل النص وطريقة تمثيلها، وكيفية تشكيل الذات الساردة عبر مراحل التجربة المختلفة، واستعمال الوثائق والصور المرفقة إن وُجدت، وعلاقة الخطاب الديني بالخطاب الحقوقي داخل النص الواحد. أما الدراسة التاريخية المتخصصة فتقارن الرواية الفردية الواردة في الكتاب بملفات المحاكم الرسمية والتغطية الصحفية المعاصرة للأحداث وشهادات أطراف أخرى معنية بالقضية نفسها. وأما الدراسة النفسية المتخصصة، من جانبها، فتنتبه بشكل خاص إلى مواضع الصمت داخل النص، والاختزال المتعمد أو اللاواعي لبعض التفاصيل المؤلمة، والتكرار اللافت لبعض الصور أو العبارات، وما قد يظهر في ثنايا السرد من آثار متبقية للصدمة النفسية العميقة.

لا يجوز أيضا، من الناحية المنهجية الصارمة، تحويل هذا الكتاب الواحد إلى معيار وحيد وحصري يحتكم إليه للحكم على ما يسمى مجازا (الأدب الإسلامي) ككل، بتنوعه واتساعه المحتملين. فالنص التأسيسي، في أي تقليد أدبي ناشئ، لا يصبح تأسيسيا بالضرورة لأنه يمثل تجارب الجميع بالتساوي والدقة نفسيهما، بل لأنه يفتح، بمجرد صدوره وتداوله، إمكانية فعلية لظهور نصوص أخرى مشابهة أو مختلفة عنه تجرؤ أخيرا على كسر صمتها الخاص. ومن هذه الزاوية بالتحديد، تكمن القيمة الحقيقية لمذكرات أحمد الحو في كونها تنقل التجربة من المجال الخاص المحصور إلى المجال العمومي المتاح، وتدعو ضمنيا، بمجرد وجودها ونجاحها النسبي في الانتشار، إلى البحث الجاد عن شهادات موازية أخرى لم تنشر بعد، والتي قد تكون كامنة ، في هيئة ذاكرة مؤجلة تنتظر الشروط الملائمة لظهورها.

بين الذاكرة الإسلامية وأسلمة الذاكرة

يميز الغبلي، في دراسته المخصصة لهذا الموضوع بالتحديد، بين مفهومين متمايزين لكنهما متداخلان أحيانا في الاستعمال الشائع: الذاكرة الإسلامية وأسلمة الذاكرة. فالأولى هي الذاكرة التي يصوغها فعليا إسلاميون أو معتقلون سابقون ينتمون إلى هذا التيار من داخل تجربتهم المعيشة المباشرة، بينما تشير الثانية إلى عملية إعادة وضع ذاكرة أو تجربة سابقة، قد لا يكون أصحابها الأصليون إسلاميين بالضرورة، ضمن إطار تأويلي إسلامي لاحق قد لا يطابق تماما شروط نشأتها التاريخية الأصلية [2، ص. 183-210]. ويستند الغبلي في تطوير هذا التمييز المفاهيمي إلى قراءة نقدية مقارنة لمذكرتي المفضل المغوتي (ويعلو صوت الأذان من جحيم تازمامارت) الصادرة سنة 2009، مبينا كيف تختلف الرهانات السياسية والدينية والحزبية بين النصين رغم انتمائهما معا إلى ما يمكن تصنيفه ضمن الذاكرة الإسلامية بمعناها الواسع. وهذا التمييز الدقيق مفيد منهجيا لأنه يمنع الخلط الشائع بين مجرد حضور موضوعات دينية عابرة داخل نص من نصوص أدب السجون العام، وهو حضور قد يكون شكليا أو سياقيا محضا، وبين وجود مدّنة (corpus) فعلية صادرة عن المعتقلين الإسلاميين أنفسهم من موقع انتمائهم المباشر.

قد تعاد قراءة سجن أو معتقل سابق معين، في سياقات لاحقة، ضمن خطاب ديني متأخر عن لحظة الحدث الأصلية، فتتغير دلالته الرمزية تدريجيا من كونه مكانا للقمع السياسي المحض إلى كونه مكانا للابتلاء الديني أو الشهادة في سبيل العقيدة أو الصمود الروحي. وقد يكون هذا التأويل اللاحق مشروعا تماما بالنسبة إلى الجماعة التي تتبناه من داخل منظورها الخاص، لكنه لا يلغي، من الناحية التاريخية الموضوعية، الحاجة الملحة إلى توثيق التعدد التاريخي الفعلي للمكان وللجماعات المتنوعة التي مرت به عبر مراحل مختلفة. كما أن استمرار غياب شهادات الإسلاميين المباشرة عن هذا النوع من الأماكن يترك، بحكم فراغ التوثيق، المجال مفتوحا أمام أطراف أخرى، سواء كانت دولية أو حقوقية أو حتى دينية من تيارات أخرى، كي تتحدث نيابة عنهم أو تدرج تجاربهم الخاصة ضمن سرديات عامة أوسع لا يملكون هم أنفسهم السيطرة الفعلية عليها أو حق التصحيح داخلها.

من هنا يمكن الاستنتاج بأن نشر الشهادات الإسلامية المباشرة لا يتعلق فقط، كما قد يظن بعضهم، بمجرد إضافة أصوات فردية جديدة إلى مدونة موجودة سلفًا، بل يتعلق بشكل أعمق بإعادة توازن ضروري إلى حقل الذاكرة الوطنية ككل. فالذاكرة الوطنية المتعددة، بمعناها الديمقراطي والتعددي الحقيقي، لا تعني بالضرورة توحيد جميع التأويلات المتنافسة في سردية واحدة قسرية، وإنما تعني إتاحة المجال الفعلي لكل جماعة معنية كي تروي تجربتها الخاصة بلغتها الخاصة ومن موقعها الخاص، مع إخضاع جميع هذه الروايات المتعددة، دون استثناء أو محاباة، للنقد التاريخي والأخلاقي الصارم نفسه الذي يخضع له أي خطاب عمومي آخر يدعي تمثيل الحقيقة.

لماذا تأخر التراكم؟

يمكن، في هذا القسم التركيبي، إعادة تركيب الأسباب المفصلة في الأقسام السابقة ضمن نموذج سببي متدرج يبين كيف تتفاعل هذه العوامل المتعددة فيما بينها لتنتج، في نهاية المطاف، ظاهرة التأخر موضوع هذه الدراسة. تبدأ العملية التفسيرية من الموقع السياسي الذي ينسب إلى المعتقل في اللحظة الأولى لاعتقاله هل يقدم في الخطاب العمومي والإعلامي بوصفه معارضا سياسيا مشروعا أم بوصفه خطرا أمنيا محدقا؟ ثم ينتقل الأثر التراكمي لهذا التصنيف الأولي إلى مستوى شرعية الشهادة نفسها لاحقا هل يملك المجتمع، بمكوناته المختلفة، استعدادا فعليا لسماع معاناة هذا المعتقل بمعزل عن موقفه السياسي أو الفكري؟ بعد ذلك يأتي دور الحقل الثقافي بمؤسساته المتعددة: هل توجد فعليا شبكات نشر ونقد وصحافة مستعدة لاحتضان هذه الشهادة وترويجها؟ ثم يظهر العامل التنظيمي والنفسي الداخلي هل يشعر الناجي نفسه، من موقعه الذاتي، بالأمان الكافي نفسيا واجتماعيا وقانونيا للشروع في الكتابة؟ وأخيرا تتحدد نتيجة هذه العملية التراكمية المعقدة بأكملها في مستوى التراكم النهائي هل يتحول النص الفردي المعزول، إن وجد أصلا، إلى تقليد أدبي متكامل وجزء معترف به من الذاكرة الوطنية الجامعة، أم يبقى أثرا معزولا لا صدى له؟

ويمكن توضيح هذا النموذج التفسيري المتدرج عبر تتبع آلياته على سبعة مستويات متكاملة. فعلى المستوى السياسي، أدى ربط الإسلاميين بملف الأمن ومكافحة الإرهاب بعد سنة 2003 إلى تراجع ملحوظ في التعاطف العمومي مع شهاداتهم مهما بلغت موثوقيتها. وعلى المستوى الحقوقي، أدى انفصال الذاكرة الإسلامية اللاحقة زمنيًا عن الإطار الزمني لهيئة الإنصاف والمصالحة إلى إدماج مؤسساتي محدود ومنقوص لهذه التجربة ضمن السردية الرسمية للعدالة الانتقالية. وعلى المستوى الاجتماعي، أدى الخوف الشائع من اتهام المتعاطف بتأييد ضمني للأفكار المنسوبة إلى المعتقل إلى عزل الضحية أخلاقيًا عن دوائر الدعم الاجتماعي المعتادة. وعلى المستوى الثقافي، أدى ضعف شبكات النشر والنقد والجامعة المتاحة لهذه التجربة إلى بقاء النصوص الموجودة فعليًا متفرقة وغير مترابطة فيما بينها. وعلى المستوى التنظيمي، أدى الخوف المستمر من كشف تفاصيل حساسة عن الجماعة والخلافات الداخلية إلى رقابة ذاتية صارمة وصمت مطبق لدى كثيرين ممن يمتلكون شهادات جديرة بالتوثيق. وعلى المستوى النفسي، أدت الصدمة العميقة والخوف المتجذر وصعوبة استعادة التفاصيل المؤلمة إلى تأجيل فعلي وممتد لفعل الكتابة نفسه. وأخيرًا، على المستوى الأرشيفي، أدى ضياع الوثائق ووفاة الشهود بمرور الزمن الطويل إلى صعوبة متزايدة في بناء مدونة موثقة بشكل كاف حتى بالنسبة إلى من قرر الكتابة أخيرا.

بهذا المعنى التحليلي الشامل، لا يوجد سبب واحد منفرد يمكنه أن يفسر هذه الظاهرة المعقدة تفسيرا كافيا ووافيا بمفرده. إن التأخر، في واقع الأمر، نتاج تفاعل عوامل بنيوية عامة تتجاوز إرادة الأفراد وعوامل فردية خاصة بكل حالة على حدة، ولذلك ينبغي توخي الحذر الشديد من تحميل المعتقلين أنفسهم، بوصفهم أفرادا، المسؤولية الكاملة عن عدم الكتابة أو تأخرها. فالكتابة، في نهاية المطاف، قرار شخصي حر بلا شك، لكنها في الوقت نفسه، وبالقدر نفسه من الأهمية التحليلية، نتيجة مباشرة لمنظومة معقدة من الفرص المتاحة والمخاطر المحدقة وشبكات الاستقبال الممكنة أو المستحيلة في لحظة تاريخية بعينها..

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك