أنتلجنسيا:محمد بلمو
في لمسة إنسانية وفنية راقية، شهدت فعاليات الدورة العشرين لمهرجان "ثويزا"بطنجة، التي تزامنت هذه السنة مع تخليد الشعب المغربي لذكرى عيد الشباب المجيد، لحظة استثنائية تم خلالها تكريم الفنان الموسيقي الأمازيغي الكبير الوليد ميمون، أحد أعمدة الأغنية الأمازيغية والموسيقى المغربية الحديثة، في اطار بمبادرة كريمة من مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية.
ولم تأتِ هذه الالتفاتة النبيلة من فراغ، ولم تكن وليدة حسابات ضيقة أو خلفيات سياسية أو جغرافية، بل جاءت اعترافاً صريحاً بمسيرة فنية حافلة بالعطاء، وبإسهامات جليلة قدمها الفنان الوليد ميمون للثقافة والأغنية الأمازيغيتين على وجه الخصوص، وللمشهد الموسيقي المغربي بصفة عامة. إنه تكريم يستند إلى منطق الوفاء، وإلى قناعة راسخة بأن من أعطى للفن والوطن الكثير، يستحق أن يُرد له الجميل ولو بكلمة شكر وتقدير.
فالوليد ميمون ليس مجرد اسم عابر في سجل الأغنية الأمازيغية، بل هو مدرسة فنية قائمة بذاتها. فنان أصيل، وملحن مبدع، صاحب بصمة صوتية مميزة، استطاع عبر عقود من الزمن أن يزاوج بين التراث والحداثة، وأن يقدم لوناً موسيقياً أمازيغياً متجدداً، حافظ فيه على الروح الأمازيغية الأصيلة، وفي الآن نفسه فتحه على آفاق موسيقية رحبة، جعلت أعماله تخاطب مختلف الأجيال والأذواق.
ويتميز الوليد ميمون بقدرة لافتة على نسج ألحان تأسر القلوب، وبكلمات منتقاة بعناية تعكس هموم وأفراح الإنسان الأمازيغي، وتحتفي بالهوية والذاكرة والجمال. لقد كان، ولا يزال، من بين الأصوات القليلة التي استطاعت أن تنقل الأغنية الأمازيغية من المحلية إلى فضاءات أرحب، لتصل إلى جمهور مغربي وعالمي متنوع، دون أن تفقد هويتها أو تتنكر لجذورها.
إن ما قامت به مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية يستحق كل التنويه والتقدير، ذلك أنها اختارت أن تُكرّم فناناً بعيداً عن منطق التوظيف المزيف، وقررت أن تنحاز لقيمة فنية حقيقية، ولتاريخ ناصع من العمل الجاد والمثابرة. إنها رسالة واضحة بأن الثقافة الأمازيغية، وهي تحتفل بعشرين سنة من مهرجان "ثويزا"، لا تنسى المبدعين الذين حملوا مشعل الأمازيغية في زمن لم تكن فيه الأمور سهلة، ولا المنابر مفتوحة.
كما أن تزامن هذا التكريم مع عيد الشباب المجيد يضفي عليه بعداً رمزياً عميقاً؛ فالمغرب، وهو يحتفل بشبابه وطموحاته، يحتفي في الآن نفسه برموزه الفنية التي تظل قدوة للأجيال الصاعدة، وشواهد حية على أن العطاء الفني الصادق لا يموت، وأن الوطن لا ينسى من خدموه بإخلاص.
وإذا كان تكريم الوليد ميمون يشكل لحظة مضيئة في مسار المهرجان، فإنه يظل أيضاً دعوة صريحة إلى باقي الجمعيات والمؤسسات الثقافية والفنية، للالتفات إلى الفنانين الذين ضحوا بكل شيء من أجل الفن والوطن، والذين قدموا إبداعاتهم في زمن كانت فيه الظروف أقل إنصافاً، والفرص أقل وفرة. إن رد الاعتبار لهؤلاء ليس ترفاً ثقافياً، بل هو واجب أخلاقي ووطني، وهو أيضاً رسالة تحفيزية للأجيال الجديدة بأن طريق الفن، مهما كان شاقاً، لا بد أن يُكلل بالاعتراف والتقدير.
ويبقى تكريم الفنان الكبير الوليد ميمون عربون محبة ووفاء لرجل أعطى الكثير، وظل وفياً لفنه وهويته ووطنه، ليستحق على ذلك التقدير والإجلال. وبذلك تكون مؤسسة المهرجان المتوسطي للثقافة الأمازيغية قد قامت بمبادرة نبيلة تُحسب لها، وتُكتب في سجل الوفاء الثقافي المغربي الأصيل.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك