أنتلجنسيا:أبو فراس
دخل مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة مفصلية قد تحدد مستقبله بشكل نهائي، بعدما تقرر إخضاعه للمراقبة الدستورية في مسطرة استعجالية، في تطور يعكس حجم الجدل الذي رافق هذا النص التشريعي منذ مراحل مناقشته الأولى، ويضعه أمام اختبار قانوني حاسم وسط استمرار التوتر بين المؤسسة التشريعية وهيئات المحامين.
وفي خطوة تحمل أبعاداً سياسية ومؤسساتية مهمة، أحالت رئاسة مجلس النواب القانون على المحكمة الدستورية مع طلب البت فيه وفق المسطرة الاستعجالية، وذلك بعد تصاعد الانتقادات الموجهة إلى عدد من مقتضياته من طرف فاعلين مهنيين اعتبروا أن بعض المواد الواردة فيه تثير إشكالات مرتبطة باستقلالية المهنة وضماناتها القانونية.
ويترقب مختلف المتدخلين في هذا الملف القرار المنتظر للمحكمة الدستورية خلال الأيام القليلة المقبلة، حيث سيكون أمامها الحسم في مدى مطابقة مقتضيات القانون لأحكام الدستور. ويكتسي هذا القرار أهمية استثنائية بالنظر إلى ما قد يترتب عنه من آثار مباشرة على المسار التشريعي للنص وعلى مستقبل الإصلاحات المرتبطة بتنظيم مهنة المحاماة.
وفي حال أقرت المحكمة الدستورية بسلامة القانون ومطابقته للمقتضيات الدستورية، فإن المسطرة ستتجه نحو مراحلها النهائية عبر إحالته على الأمانة العامة للحكومة تمهيداً لنشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيز التنفيذ. أما إذا خلصت المحكمة إلى وجود مقتضيات غير منسجمة مع الدستور أو قررت إسقاط بعض المواد، فإن ذلك سيفرض إعادة فتح الملف من جديد وإدخال التعديلات اللازمة قبل استكمال مساره التشريعي.
ويعني هذا السيناريو الأخير احتمال العودة إلى المؤسسة التشريعية من أجل إعادة النظر في المواد المعنية، وهو ما قد يفرض عقد دورة استثنائية لمجلس النواب قصد استكمال المسطرة القانونية، خاصة في ظل اقتراب نهاية الولاية التشريعية الحالية وما يرافق ذلك من ضيق في الزمن السياسي والتشريعي.
ويأتي هذا التطور في سياق يتسم باستمرار الخلافات حول مضامين القانون، ليس فقط داخل الأوساط المهنية المعنية، بل أيضاً على مستوى النقاشات السياسية التي رافقت مراحل إعداده واعتماده. فالقانون تحول خلال الأشهر الماضية إلى أحد أكثر النصوص التشريعية إثارة للنقاش، بالنظر إلى حساسية القطاع الذي ينظمه ومكانة المحاماة داخل منظومة العدالة.
كما أن الاحتجاجات والانتقادات الصادرة عن عدد من المحامين وهيئاتهم المهنية ساهمت في رفع منسوب الترقب بشأن مآل هذا النص، خاصة مع استمرار التحذيرات من تداعيات بعض المواد التي يعتبرها المهنيون محل خلاف. وقد زاد هذا الوضع من تعقيد المشهد، في وقت تواصل فيه أصوات داخل القطاع الدعوة إلى مراجعة عدد من المقتضيات المثيرة للجدل بما يضمن التوازن بين متطلبات الإصلاح والحفاظ على خصوصية المهنة واستقلاليتها.
ويكتسب قرار المحكمة الدستورية المنتظر أهمية مضاعفة لكونه سيصدر في فترة زمنية دقيقة تتزامن مع اقتراب اختتام آخر دورة تشريعية ضمن الولاية البرلمانية الحالية، ما يجعل هامش المناورة الزمنية محدوداً أمام مختلف الأطراف المعنية. لذلك ينظر إلى هذا القرار باعتباره محطة فاصلة لن تحدد فقط مصير قانون المحاماة، بل ستؤثر أيضاً على طبيعة العلاقة بين المؤسسات التشريعية والمهنيين وعلى مستقبل النقاش المرتبط بإصلاح منظومة العدالة بالمملكة.
وبين خيار المرور السلس نحو النشر والتنفيذ، أو العودة إلى مربع التعديل والمراجعة، يبقى قانون المحاماة معلقاً على كلمة المحكمة الدستورية التي ينتظر أن تحسم واحدة من أكثر القضايا التشريعية إثارة للجدل خلال المرحلة الأخيرة من الولاية الحالية، في ظل متابعة واسعة من الفاعلين القانونيين والمهنيين والرأي العام المهتم بمستقبل هذا الورش التشريعي الحساس.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك