أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
تعرف محلات العطارة هذا العام ركوداً
غير مسبوق تزامناً مع اقتراب شهر رمضان، في مشهد صادم اعتاده المغاربة موسماً
للازدهار لا للكساد، فبدل الحركة الدؤوبة التي كانت تميز الأزقة العتيقة وروائح
التوابل التي تملأ الفضاء، يخيم الصمت على رفوف ممتلئة وبضائع تنتظر زبائن أنهكتهم
موجة غلاء متصاعدة.
ارتفاع الأسعار في سوق الجملة شكل
الضربة الأولى، إذ تضاعفت كلفة التوابل واللوز والسمسم والنافع والقرفة وغيرها من
المواد الأساسية التي تدخل في إعداد “سلو” والحلويات الرمضانية والأطباق المغربية
التقليدية، هذا الغلاء انتقل مباشرة إلى المستهلك الذي وجد نفسه عاجزاً عن اقتناء
الكميات المعتادة، مكتفياً بأدنى الضروريات في ظل مصاريف متراكمة وأعباء اجتماعية
خانقة.
الظروف غير الطبيعية التي يعيشها
المواطن المغربي هذا العام، بين ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتكاليف المعيشة
والالتزامات اليومية، انعكست بشكل مباشر على سوق العطارة.
فشهر رمضان الذي كان يشكل متنفساً
اقتصادياً لهؤلاء التجار تحول إلى موسم قلق وترقب، حيث تراجعت القدرة الشرائية
بشكل لافت وأصبح السؤال اليومي للتاجر هو كيف سيغطي مصاريف الكراء والكهرباء واليد
العاملة.
ومن قلب المدينة العتيقة بفاس، يتحدث "عبد
القادر العطار" بصوت منكسر قائلاً إن هذه السنة تختلف كلياً عن كل السنوات
التي مرت عليه منذ أكثر من عشرين عاماً في المهنة، يؤكد أن الزبائن الذين كانوا
يشترون بالكيلوغرام أصبحوا يطلبون بمقادير صغيرة جداً، وبعضهم يكتفي بالسؤال عن
السعر ثم يغادر بصمت. ويضيف أن هامش الربح تقلص إلى الحد الأدنى، وأن الخوف
الحقيقي هو من تراكم الديون مع نهاية الموسم.
وفي القنيطرة، تصف "فاطمة
الزهراء"، صاحبة محل عطارة بحي شعبي، الوضع بأنه الأصعب منذ بدأت تجارتها،
تقول إن الفيضانات الأخيرة أثرت على سلاسل التوريد وأسعار بعض المواد الفلاحية،
مما زاد الوضع تعقيداً، مضيفة أن الطبقة المتوسطة التي كانت عماد السوق تراجعت
قدرتها الشرائية بشكل مؤلم، وأصبحت تعيش ضغطاً معيشياً جعلها تعيد ترتيب أولوياتها
بعيداً عن الكماليات.
ما يمكن تسميته بانهيار المسافة بين
الطبقتين، حيث انزلقت شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة نحو الهشاشة، جعل سوق
العطارة يفقد توازنه، فهذه الفئة كانت تشتري بكميات محترمة استعداداً لرمضان،
وتحافظ على تقاليد المائدة المغربية الغنية بالتوابل والنكهات، أما اليوم فقد
أصبحت تقتصد في كل درهم، مما أحدث فراغاً واضحاً في حركة البيع والشراء.
أمام هذا الواقع، يقف تجار العطارة
بين نار ارتفاع أسعار الجملة وسندان ضعف الطلب، يراقبون موسماً كان يوماً مصدر فرح
ورزق يتحول إلى اختبار قاسٍ للصمود، وبين رفوف الكمون والخرقوم والإبزار تختلط
روائح التوابل بقلق حقيقي من مستقبل تجارة عريقة باتت مهددة بتقلبات اقتصادية
أنهكت البائع والمشتري على حد سواء.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك