أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م.كندا
دخل الخلاف
بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر تعقيدا، بعدما تحول مستقبل مضيق هرمز إلى
واحدة من أبرز نقاط الاشتباك في المواجهة بين البلدين، في ظل رفض إدارة الرئيس
دونالد ترامب العودة إلى مذكرة التفاهم التي توصل إليها الطرفان في يونيو، مقابل
تمسك طهران بإحياء ذلك التفاهم باعتباره مدخلا لخفض التصعيد وإعادة حركة الملاحة
إلى المضيق الاستراتيجي، بينما تتجه واشنطن نحو صياغة اتفاق جديد يتجاوز ملف
الملاحة ليشمل البرنامج النووي الإيراني وترتيبات أمنية أوسع في المنطقة.
وكانت مذكرة
يونيو قد وضعت إطارا مؤقتا لوقف الأعمال العسكرية وفتح مضيق هرمز أمام حركة السفن
التجارية، إلى جانب إطلاق مفاوضات بشأن تسوية نهائية للنزاع، كما تضمنت التزامات
متبادلة بين الطرفين ومرحلة انتقالية يفترض أن تمهد لاتفاق أشمل، غير أن المسار
الذي كان يفترض أن يقود إلى تسوية مستقرة تعثر مع عودة التوتر، لتجد الوساطات
الدولية نفسها أمام مهمة صعبة تتمثل في إعادة واشنطن وطهران إلى طاولة التفاوض،
وسط اتساع الفجوة بين شروط الطرفين وتراجع الثقة المتبادلة.
وتتمسك إيران
بالصيغة السابقة باعتبارها نقطة انطلاق قابلة للبناء، حيث يؤكد الرئيس الإيراني
مسعود بزشكيان استعداد بلاده للعودة إلى التزاماتها إذا عادت الولايات المتحدة
بدورها إلى تنفيذ ما تعهدت به في الاتفاق المؤقت، وترى طهران أن فتح المضيق وتخفيف
الضغوط الاقتصادية يجب أن يكونا جزءا من معادلة متبادلة، بينما ترفض واشنطن
الاكتفاء بالتفاهم السابق وتطالب باتفاق أكثر شمولا يربط أمن الملاحة بمستقبل
البرنامج النووي الإيراني وبمجموعة أوسع من الملفات التي تعتبرها الإدارة الأميركية
جزءا من الأمن الإقليمي.
وفي الوقت
الذي تتعثر فيه القنوات الدبلوماسية، تحاول الولايات المتحدة تغيير قواعد التفاوض
على الأرض من خلال تعزيز وجودها البحري في منطقة مضيق هرمز، والعمل على تأمين حركة
السفن التجارية وإزالة الألغام وفتح ممرات آمنة أمام ناقلات النفط، في رسالة واضحة
إلى طهران مفادها أن واشنطن لا تريد أن تبقى رهينة لقدرة إيران على التحكم في واحد
من أهم الممرات البحرية العالمية، كما تسعى الإدارة الأميركية من خلال التحرك
العسكري إلى إظهار أن لديها القدرة على حماية جزء من حركة الطاقة حتى في ظل استمرار
التوتر والتهديدات المتبادلة.
وتمنح هذه
الاستراتيجية واشنطن ورقة ضغط إضافية في أي مفاوضات مقبلة، فكلما تمكنت القوات
الأميركية من تأمين مزيد من السفن وإبقاء تدفقات النفط قائمة، تراجعت قيمة ورقة
إغلاق المضيق التي تعتمد عليها طهران للضغط على الولايات المتحدة والأسواق
العالمية، غير أن الواقع الميداني لا يزال بعيدا عن العودة الكاملة إلى مستويات
الملاحة التي سبقت الحرب، إذ تشير حركة السفن إلى استمرار انخفاض التدفقات مقارنة
بالمستويات الطبيعية، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة نجحت في الحفاظ على جزء مهم
من حركة الطاقة لكنها لم تتمكن حتى الآن من إعادة النشاط الملاحي إلى وضعه السابق
بشكل كامل.
وتكمن أهمية
مضيق هرمز في كونه نقطة عبور رئيسية لحركة النفط والطاقة العالمية، الأمر الذي
يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه قادرا على التأثير في الأسواق والأسعار وسلاسل
الإمداد، ولهذا تحاول واشنطن الاستفادة من قدرتها العسكرية والبحرية لتقليص تأثير
المضيق كورقة تفاوضية إيرانية، في حين تسعى طهران إلى ربط عودة الملاحة بتخفيف
العقوبات والضغوط الاقتصادية، بما يحافظ على نفوذها في المفاوضات ويمنحها مقابلا
واضحا لأي تنازل يتعلق بحرية حركة السفن.
ومع استمرار
الجمود، يتحول مضيق هرمز من مجرد ممر استراتيجي للطاقة إلى مركز للصراع السياسي
والأمني بين واشنطن وطهران، إذ تتمسك الولايات المتحدة باتفاق جديد يعالج الملف
النووي وأمن الملاحة ضمن ترتيبات أوسع، بينما تصر إيران على إعادة إحياء تفاهم
يونيو باعتباره الأساس لأي تسوية مقبلة، وبين الضغط العسكري والعقوبات من جهة،
والحسابات الاقتصادية والأمنية الإيرانية من جهة أخرى، يبدو مستقبل المضيق مرتبطا
بقدرة الطرفين على تقديم تنازلات متبادلة تمنع انفجار مواجهة جديدة وتحافظ في
الوقت نفسه على تدفق الطاقة عبر واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك