أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا
شهد عام 2026
تصاعداً لافتاً في نشاط حرائق الغابات عبر مناطق واسعة من العالم، مع تسجيل مساحات
ضخمة احترقت في أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا وأجزاء من أوقيانوسيا وأمريكا
الجنوبية، وتشير التقديرات المتاحة حتى نهاية أغسطس إلى أن المساحات المتضررة
عالمياً بلغت عشرات الملايين من الهكتارات، مع ضرورة التأكيد أن الرقم العالمي
النهائي لعام 2026 لم يُحسم بعد بسبب استمرار موسم الحرائق واعتماد الإحصاءات
الدولية على بيانات الأقمار الصناعية التي يتم تحديثها باستمرار.
وتبرز كندا
بين أكثر الدول تضرراً من حيث المساحات المحروقة، إذ تجاوزت المساحة التي التهمتها
النيران 4.49 ملايين هكتار حتى 31 أغسطس 2026، وفق البيانات المتاحة للموسم
الحالي، وسط انتشار الحرائق في عدد كبير من المقاطعات والأقاليم، كما امتد الدخان
إلى مناطق واسعة من الولايات المتحدة والمحيط الأطلسي، ما جعل الأزمة الكندية
واحدة من أبرز كوارث الحرائق المسجلة خلال العام.
وفي أوروبا،
تحولت إسبانيا إلى واحدة من أكثر بؤر الحرائق خطورة، بعدما تجاوزت المساحات
المحروقة في بعض مراحل الموسم 244 ألف هكتار، قبل أن تتواصل الحرائق خلال أغسطس،
بينما سجلت فرنسا أكثر من 96 ألف هكتار محترق حتى 26 أغسطس، وهو رقم يفوق بكثير
متوسطها السنوي، في حين شهدت إيطاليا والبرتغال واليونان أيضاً حرائق واسعة، وسجلت
أوروبا إجمالاً أكثر من 576 ألف هكتار محترق خلال الموسم وفق تقديرات نظام معلومات
حرائق الغابات الأوروبي.
وتأتي
إندونيسيا ضمن الدول الآسيوية الأكثر تضرراً، بعدما سجلت حرائق الغابات والأراضي
أكثر من 202 ألف هكتار بين يناير ويوليو 2026، مع احتراق نحو 95 ألف هكتار خلال
شهر يوليو وحده، بينما رصدت السلطات آلاف البؤر الحرارية في أغسطس، خصوصاً في
سومطرة وكاليمانتان، وساهم الجفاف الشديد وظاهرة النينيو القوية في زيادة قابلية
الغطاء النباتي والجفت للاشتعال، كما ارتفعت انبعاثات الكربون الناتجة عن الحرائق
إلى مستويات استثنائية.
وفي أستراليا،
سجلت بداية عام 2026 نشاطاً قوياً للحرائق، خصوصاً في ولاية فيكتوريا، حيث تزامنت
الحرائق مع درجات حرارة قياسية، كما شهدت مناطق من أمريكا الجنوبية، بينها تشيلي
والأرجنتين، حرائق مدمرة خلال الأشهر الأولى من السنة، بينما ظلت أجزاء من آسيا
وأفريقيا معرضة لنشاط حرائق واسع مرتبط بالجفاف والحرارة والحرائق الزراعية، وهو
ما يعكس اتساع نطاق ظاهرة احتراق الأراضي والغابات خارج المناطق التي تحظى عادة
بأكبر قدر من التغطية الإعلامية.
وتشير
المقارنة بين الدول إلى أن قياس حجم الأضرار لا يعتمد فقط على عدد الهكتارات
المحروقة، فهناك دول تحترق فيها مساحات شاسعة من الأراضي البرية أو السافانا،
بينما تكون الخسائر أكثر خطورة في دول أخرى بسبب قرب الحرائق من المدن والغابات
الكثيفة والبنية التحتية والمناطق الزراعية، ولذلك فإن كندا وروسيا وأستراليا
ودولاً إفريقية قد تسجل مساحات ضخمة، في حين يمكن لحرائق أقل مساحة في أوروبا أو
شرق آسيا أن تتسبب في خسائر اقتصادية وبشرية أكبر.
وتظهر
التغيرات المناخية والجفاف الطويل وموجات الحرارة الشديدة كعوامل رئيسية في زيادة
مخاطر الحرائق خلال 2026، إذ أدت درجات الحرارة المرتفعة ونقص الرطوبة إلى تحويل
الغطاء النباتي إلى وقود سريع الاشتعال، بينما ساهمت الرياح القوية في تسريع
انتشار النيران، وأصبحت بعض الحرائق قادرة على قطع مسافات كبيرة خلال ساعات، ما
صعّب عمليات الإخماد وأجبر السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء واسعة.
وتكتسب حرائق
2026 أهمية خاصة بسبب تأثيراتها التي تتجاوز المناطق المحترقة، إذ أدت سحب الدخان
إلى تدهور جودة الهواء في مدن بعيدة عن مواقع الحرائق، كما تسببت الحرائق في
انبعاث كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون، وتضررت الغابات والمراعي والحياة
البرية، إضافة إلى الخسائر التي لحقت بالمنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمزارع
والأنشطة الاقتصادية.
وبحسب
المعطيات المتوفرة حتى نهاية أغسطس، يمكن وضع كندا وإسبانيا وفرنسا وإندونيسيا ضمن
أبرز الدول التي سجلت أضراراً كبيرة خلال موسم 2026، إلى جانب مناطق واسعة في
أستراليا والولايات المتحدة وروسيا والبرتغال واليونان وإيطاليا وتشيلي
والأرجنتين، مع اختلاف كبير بين هذه الدول في طريقة احتساب المساحات المحروقة وفي
نسبة الغابات من إجمالي الأراضي المتضررة، ولذلك لا ينبغي اعتبار هذا الترتيب
تصنيفاً نهائياً ثابتاً.
وتبقى أفريقيا
حالة خاصة في الإحصاءات العالمية، إذ تشهد القارة سنوياً مساحات واسعة من الحرائق،
كثير منها مرتبط بالحرائق الزراعية وحرق الأعشاب والمراعي، وهو ما يجعل المساحة
الإجمالية المحروقة في بعض السنوات ضخمة جداً مقارنة بالقارات الأخرى، لكن جزءاً
كبيراً من هذه الحرائق لا يتحول بالضرورة إلى كوارث حضرية أو غابات كثيفة بالمعنى
المتداول، ولذلك فإن المقارنة بين الدول تحتاج إلى التمييز بين حرائق الغابات
والحرائق الزراعية وحرائق الأراضي العشبية.
ومن الناحية
البيئية، يمكن أن تترك حرائق 2026 آثاراً طويلة الأمد على الغطاء النباتي والتربة
والتنوع البيولوجي، خصوصاً عندما تتكرر الحرائق في المناطق نفسها خلال فترات
قصيرة، كما أن احتراق الغابات يضعف قدرة النظم البيئية على امتصاص الكربون ويزيد
الضغط على الأنواع الحيوانية التي تفقد موائلها الطبيعية، بينما يؤدي انجراف
التربة بعد الحرائق إلى زيادة مخاطر الفيضانات والتعرية في بعض المناطق.
وتشير الصورة
العامة لعام 2026 إلى أن العالم يواجه موسماً شديد التعقيد من حرائق الغابات، حيث
تتداخل الحرارة والجفاف والرياح والتغيرات في استخدام الأراضي والعوامل البشرية،
وفي الوقت الذي تبقى فيه المساحة العالمية النهائية غير محسومة، فإن الأرقام المتوفرة
حتى الآن تؤكد أن ملايين الهكتارات تعرضت للنيران وأن عدة دول سجلت مواسم
استثنائية، ما يجعل تعزيز الوقاية وإدارة الغابات والرصد بالأقمار الصناعية
والاستجابة المبكرة عناصر أساسية للحد من خسائر السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك