أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في قراءة صادمة تقلب الرواية التقليدية رأساً على عقب، تكشف فورين بوليسي أن الحروب الكبرى، وعلى رأسها المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، لا تُحسم بالقصف المكثف ولا بالشعارات المتطرفة، بل تنزلق غالباً نحو مسارات أكثر تعقيداً، حيث يتحول “وهم الاستسلام غير المشروط” إلى وقود يطيل أمد النزاعات بدل إنهائها.
المقال يرصد ارتباك الأهداف منذ اندلاع العمليات في 28 فبراير، حيث قدّم دونالد ترامب مبررات متناقضة، تتراوح بين كبح البرنامج النووي الإيراني وتغيير النظام السياسي، في خطاب يعكس غموضاً استراتيجياً أكثر مما يعكس خطة واضحة للحسم. ورغم الحديث عن قنوات تفاوض أولية، فإن الشروط الأميركية، وعلى رأسها الدعوة إلى “استسلام غير مشروط”، تبدو بعيدة عن الواقعية السياسية، وتعيد إنتاج أخطاء تاريخية موثقة.
وتؤكد المجلة أن هذا المفهوم، رغم جاذبيته الخطابية في الثقافة السياسية الأميركية، نادراً ما يصمد أمام اختبار الواقع. فالتجارب الكبرى، من الحرب العالمية الثانية إلى الحرب الأهلية الأميركية، تكشف أن الدعوة إلى سحق العدو بالكامل غالباً ما تؤدي إلى تصلب مواقفه وإطالة أمد القتال، بدل تسريع نهايته.
في الحالة الألمانية، لم يؤد إعلان الاستسلام غير المشروط إلى انهيار فوري، بل استغلّه أدولف هتلر وجوزيف غوبلز لتعبئة الداخل، عبر تصوير الحرب كمعركة وجود، ما دفع إلى مقاومة أشد بدل الاستسلام. وحتى بعد الهزيمة، لم تكن النهاية “مطلقة” كما يُروّج، بل أعقبتها تسويات معقدة واستمرارية في مؤسسات الدولة.
الأمر نفسه تكرر في اليابان، حيث لم تؤد الضربات الكارثية إلى استسلام فوري، بل عززت مواقف التيار المتشدد داخل القيادة، خاصة مع غموض مصير الإمبراطور هيروهيتو، قبل أن تُفرض تسوية سياسية حافظت على جزء من البنية الإمبراطورية لضمان الاستقرار.
المقال يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن “الاستسلام غير المشروط” ليس سوى أداة سياسية لتبرير الحروب وحشد الدعم الداخلي، أكثر منه استراتيجية واقعية لإنهائها. فهذه اللغة، التي تقسم العالم إلى “خير مطلق” و”شر مطلق”، تمنح الحروب غطاءً أخلاقياً، لكنها في المقابل تعقّد نهايتها، لأن الواقع يفرض دائماً حلولاً تفاوضية مهما كانت موازين القوة.
وفي إسقاط مباشر على إيران، ترى المجلة أن المؤشرات الحالية تسير في الاتجاه ذاته: النظام لم ينهَر، بل أظهر قدرة على التكيف، حيث تم تعويض القيادات التي تم استهدافها، وتشديد القبضة الداخلية، فيما لا تزال القدرات العسكرية، خاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة، تمثل تهديداً قائماً في المنطقة.
كما تشير التقديرات إلى أن الضربات التي استهدفت البرنامج النووي لم تقضِ عليه بالكامل، بل دفعت أجزاء منه إلى العمل في الخفاء، ما يعقّد أي محاولة للسيطرة عليه بالقوة العسكرية فقط.
الخلاصة التي تطرحها فورين بوليسي تحمل تحذيراً واضحاً: القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها فرض نظام سياسي أو ضمان استقرار دائم. فالحروب، كما يثبت التاريخ، لا تنتهي بانتصارات صاخبة، بل بتسويات باردة تعترف بحدود القوة. أما الإصرار على “النصر الكامل”، فليس سوى وصفة مضمونة لإطالة أمد الدمار وتعميق المأزق.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك