"نيويورك تايمز":مناورات الصين من نيكسون إلى ترامب

"نيويورك تايمز":مناورات الصين من نيكسون إلى ترامب
دولية / الجمعة 15 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

عندما زار ريتشارد نيكسون بكين عام 1972، كانت زيارته بمنزلة مقامرة؛ فقد راهن على أن الانفتاح الدبلوماسي على الحكومة الشيوعية، وتقليص مستوى العلاقات مع تايوان التي كانت تدّعي أحقيتها في حكم الصين، سيخدم المصالح الأميركية.

وقد عززت الزيارات اللاحقة التي قام بها الرؤساء الأميركيون إلى الصين هذه الفكرة.

وتمثل هذه الزيارات سلسلة متواصلة من فترات متقلبة بين فترات عصيبة وأخرى مشرقة في العلاقات، بدءًا من حالة الكآبة التي أعقبت مجزرة ميدان تيانانمين، وصولًا إلى الحماسة التي رافقت انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وتحولها إلى محرك للاقتصاد العالمي.

وفي خضم ذلك، كان الرؤساء الأميركيون يأملون أن يؤدي التكامل التجاري إلى تغيير سياسي في بكين يوماً ما.

ومع تنامي قوة الصين، وازدياد ثقتها بنفسها - بل وربما غرورها - في تعاملاتها مع الولايات المتحدة، تغيرت ديناميكيات القمم. وينظر العديد من المسؤولين والمحللين الصينيين اليوم إلى الولايات المتحدة كدولة في حالة انحدار نهائي.

قبل وصوله إلى بكين يوم الأربعاء، نشر الرئيس ترامب على الإنترنت أنه يعتزم مطالبة شي جين بينغ، "الزعيم ذي المكانة الاستثنائية"، بـ"فتح" الصين - وهو تعبير يتردد صداه مع الطريقة التي صاغ بها الرؤساء الأميركيون العلاقات مع الصين على مدى نصف قرن.

1972..ريتشارد نيكسون

تُعدّ زيارة نيكسون إلى الصين من أهم الرحلات الخارجية التي قام بها رئيس أميركي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

جاءت هذه الزيارة عام 1972 بعد أن قام هنري كيسنجر، مستشار الرئيس للأمن القومي، بزيارة سرية إلى بكين في العام السابق لاستطلاع إمكانية فتح حوار دبلوماسي مع ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشو إن لاي.

لم تكن للولايات المتحدة علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية منذ تأسيسها على يد ماو عام 1949، بل كانت تُؤيد حكومة الكومينتانغ المناهضة للشيوعية في جزيرة تايوان باعتبارها السلطة الشرعية الحاكمة في الصين، لكن حدث تحوّل هام في الجغرافيا السياسية حفّز جهود نيكسون وكيسنجر، فقد تباعدت العلاقات بين الاتحاد السوفياتي والصين، وكان هذا التباعد هو ما دفع إدارة نيكسون إلى مدّ جسور التواصل.

أسفرت زيارة نيكسون عن لحظات لا تُنسى، بما في ذلك سيره على سور الصين العظيم ("لا بد أن تستنتج أن هذا سور عظيم، وأنه لا بد أن يكون قد بناه شعب عظيم"، كما قال)، وكان وصول زوج من الباندا لاحقاً إلى حديقة الحيوان الوطنية في واشنطن رمزًا دائمًا للرابطة الدولية.

1975..جيرالد ر. فورد

قام الرئيس جيرالد فورد بزيارة استغرقت خمسة أيام إلى الصين في ديسمبر/كانون الأول 1975، قبل 10 أشهر من وفاة ماو تسي تونغ. كانت الصين آنذاك في المرحلة الأخيرة من الثورة الثقافية، وهي فترة دامت عقداً من الزمن.

كان الحزب الشيوعي لا يزال ملتزماً بمسار التقارب الدبلوماسي مع الولايات المتحدة عندما زار فورد الصين، ومهّدت المحادثات الطريق لعلاقات طبيعية أقامها الرئيس جيمي كارتر عام 1979 (لم يزر كارتر الصين خلال فترة رئاسته، وكذلك لم يزرها الرئيس جوزيف ر. بايدن الابن).

1984..رونالد ريغان

عندما وطئت قدم رونالد ريغان، المحارب البارد المتحمس، أرض الصين في عام 1984، لم يتحدث عن الحاجة إلى إطاحة الحزب الشيوعي الصيني أو تقويض سياساته، وهي لغة جسدت سياسته تجاه الاتحاد السوفياتي.

زار ريغان بكين كرجل دولة عملي، ساعيًا إلى دفع عجلة المحادثات التجارية، التي أصبحت فيما بعد محور العلاقات الأميركية الصينية.

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن ريغان صرّح للصحفيين بعد زيارته بأنه شعر بالارتياح إزاء "ضخ روح السوق الحرة" في الاقتصاد الصيني.

1989..جورج بوش الأب

عندما وصل الرئيس جورج بوش الأب إلى بكين في فبراير/شباط 1989، كان عائداً إلى بلدٍ تعلّق به. وتعود معرفته بالصين إلى فترة توليه منصب رئيس مكتب الاتصال الأميركي في بكين بين عامي 1974 و1975، ما جعله سفيرًا فعليًا قبل إقامة علاقات دبلوماسية رسمية.

شهدت العلاقات الأميركية الصينية زخماً متزايداً في الأشهر التي سبقت تلك الزيارة، إلا أن احتجاجات ميدان تيانانمين ومجزرته زادت من تعقيد العلاقات لاحقًا في عام 1989.

خلال زيارة بوش، تنبأ أحد الأحداث بالزلزال الوشيك؛ فقد قدّم السفير وينستون لورد والسفارة الأميركية للمسؤولين الصينيين قائمة بأسماء الأشخاص الذين ترغب الحكومة الأميركية بدعوتهم إلى مأدبة العشاء الرسمية، وكان من بينهم فانغ ليتشي، عالم الفيزياء الفلكية المعروف والمعارض السياسي.

قبل وقت قصير من المأدبة، شطبت الحكومة الصينية اسم فانغ من القائمة، وهو ما اعترض عليه المسؤولون الأميركيون.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، عندما قتل الجيش الصيني مئات أو آلاف المتظاهرين حول ميدان تيانانمن في الثالث والرابع من يونيو، فرّ فانغ إلى السفارة الأميركية مع زوجته، لي شوكسيان، واختبأ هناك لمدة 13 شهراً.

قال لورد: "لقد تحوّل هذا إلى حفل عشاء، ثم إلى ثورة".

1998..بيل كلينتون

جاءت زيارة الرئيس بيل كلينتون إلى الصين في عقدٍ حافلٍ بالأحداث بالنسبة إلى الولايات المتحدة في أعقاب سقوط الاتحاد السوفياتي، عندما بدت أميركا - ونظامها السياسي والاقتصادي - وكأنها لا تُنازع في العالم.

كانت هذه "نهاية التاريخ"، كما كتب عالم السياسة فرانسيس فوكوياما. وبدا للمسؤولين الأميركيين أن الصين تتبنى المسار الحتمي للنظام العالمي.

وإذا كان الهدف هو الحوار، فقد أظهر الزعيم الصيني جيانغ زيمين الحماسة اللازمة لذلك، فقد حاول التحدث باللغة الإنكليزية في بعض المناسبات العامة، بل قرأ بعض الفقرات من خطاب جيتيسبيرغ.

وخلال زيارة كلينتون، فاجأ جيانغ الجميع بإعلانه أن مؤتمرهما الصحافي سيُبث مباشرةً على التلفزيون.

وقال أورفيل شيل، المحلل الصيني الذي كتب عن قمم القيادة لعقود: "كان ذلك أروع تفاعل شهدته بين الزعيمين الصيني والأميركي. كان كلينتون يتبادل الدعابات مع جيانغ، وكان من الواضح أنهما يستمتعان بصحبة بعضهما البعض".

واستذكر شيل تلك اللحظة في مقابلة أجريت معه أثناء توجهه إلى بكين يوم الثلاثاء لتغطية زيارة ترامب، مضيفًا: "كان واضحًا أن هؤلاء الناس منفتحون على التعاون".

2001، 2002، 2005، 2008..جورج دبليو بوش

كان جورج دبليو بوش حاضراً في مدرجات بكين لحضور حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 2008، وهي لحظة رمزية للغاية فسرها الكثيرون على أنها بمنزلة انطلاقة للصين على الساحة الدولية.

كانت هذه زيارته الرابعة في عصر العولمة المتسارعة، حين كان الاقتصاد الصيني يشهد ازدهاراً كبيراً بعد انضمامه إلى منظمة التجارة العالمية.

لكن تلك الزيارة جاءت عشية الأزمة المالية العالمية. وقد أدى ذلك، إضافة إلى حرب العراق، إلى تنامي اعتقاد المسؤولين الصينيين، بمن فيهم هو جين تاو، سكرتير الحزب والرئيس، بأن الولايات المتحدة وحلفاءها قد ضلوا طريقهم. ففي نظرهم، بدا صعود الصين حتمياً، وفي المقابل بدت أنظمة الدول الغربية متدهورة وواهية.

يقول جون ديلوري، مؤرخ شؤون شرق آسيا: "الآن، بات من الشائع التركيز على عام 2008 باعتباره نقطة تحول. كان لدى الصينيين آنذاك شعور بالثقة اعتبره الأميركيون غروراً".

2009، 2014، 2016..باراك أوباما

جاءت زيارة أوباما الأولى، عام 2009، في ظل الأزمة المالية العالمية التي تفاقمت نتيجةً لإخفاقات المؤسسات المالية الأميركية. وبينما كان يسعى جاهداً لانتشال بلاده من أزمتها، استمر الاقتصاد الصيني في النمو.

خلال محادثات في بكين، أثار أوباما قمة كوبنهاغن للمناخ المزمعة وخططه لعرقلة طموحات إيران النووية عبر محاولة التوصل إلى اتفاق دبلوماسي.

زار أوباما بكين مجدداً عام 2014 لحضور قمة اقتصادية للدول الآسيوية، لكنه التقى شي جين بينغ لإجراء محادثات ثنائية ومأدبة عشاء رسمية. وبحلول ذلك الوقت، كانت العلاقات قد تدهورت.

في زيارته الأخيرة عام 2016، هبطت طائرة أوباما في هانغتشو، لكنه اضطر للخروج من مؤخرة الطائرة بعد أن فشل العمال الصينيون في نقل سلم إلى مقدمة الطائرة. ورغم أن السبب قد يكون عطلاً فنياً، فقد فسر العديد من المراقبين ذلك على أنه تجاهل من الصين ورمز لتنامي نفوذها.

2017..دونالد ج. ترامب

انتقد ترامب الصين، ولا سيما ممارساتها التجارية، خلال حملته الانتخابية عام 2026. وفي الوقت نفسه، كان السياسيون التقدميون يتحدثون بقوة أكبر عن مساوئ العولمة. وجاءت زيارة ترامب في ظل هذه الخلفية: الرغبة في وضع حدود للعولمة وإعادة توجيه بعض الصناعات الأميركية بعيدًا عن الصين.

أشاد ترامب بشي جين بينغ إشادة بالغة، قائلاً له: "أنت رجل مميز للغاية"، وسارا معًا في المدينة المحرمة الخالية، وأعلن الزعيمان عن عدد من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية.

لكن ترامب كان يخفي نيات أخرى. فبعد الزيارة بفترة وجيزة، في يناير 2018، شنّ حربًا تجارية على الصين. واستحوذت هذه الحرب على معظم فترة رئاسته، إلى جانب جائحة كورونا.

وتصاعدت حدة التوتر في العلاقات مع الصين، على الرغم من أن ترامب تجنب الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، الأمر الذي أسعد القادة الصينيين.

المصدر:نيويورك تايمز ترجمة الميادين نت

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك