أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في خضم التصعيد المتسارع في الشرق الأوسط، فجّرت مجلة CounterPunch جدلاً واسعاً بعد نشرها مقالاً نقدياً لاذعاً يهاجم الخطاب السياسي والإعلامي في الولايات المتحدة، متهماً إياه بتزييف حقيقة الحرب ضد إيران وتقديم سردية أحادية تُشرعن التصعيد العسكري وتغيب جذوره العميقة.
المقال يذهب إلى أبعد من مجرد النقد، إذ يعتبر أن اللغة المستخدمة لوصف إيران، خاصة توصيفها بـ”النظام”، ليست بريئة، بل تُستعمل كأداة لنزع الشرعية السياسية والأخلاقية، في تجاهل متعمد لتعقيدات الواقع الإيراني وطبيعة مؤسساته. ويرى أن هذا الخطاب يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”حرب المفاهيم”، حيث تتحول الكلمات إلى سلاح موازٍ للصواريخ.
وفي تفكيك هذه السردية، يشير الطرح إلى أن إيران، خلافاً لما يُروّج، لا تمتلك تاريخاً حديثاً من الحروب التوسعية، بل وقّعت اتفاقاً نووياً سنة 2015 للحد من برنامجها، قبل أن ينهار تحت ضغط التوترات الدولية. كما يسلط الضوء على البعد الأيديولوجي في السياسة الإيرانية، المستند إلى رفض الهيمنة الخارجية والدفاع عن قضايا إقليمية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
التحليل يتوقف أيضاً عند بنية النظام السياسي الإيراني، الذي تشكّل بعد الثورة الإيرانية 1979، حيث انتقل البلد من حكم ملكي إلى نموذج مركب يجمع بين المرجعية الدينية والمؤسسات التمثيلية. هذا النموذج، بحسب المقال، لا يمكن اختزاله في توصيفات سطحية، بل يتضمن آليات انتخابية ومؤسسات رقابية مثل مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، إلى جانب موقع المرشد الأعلى الذي يمثل قمة هرم السلطة.
في المقابل، يوجه المقال انتقادات حادة لواشنطن وحليفتها إسرائيل، معتبراً أن سجلهما في التدخلات العسكرية وانتهاك سيادة الدول لا يُقابل بنفس اللغة النقدية داخل الإعلام الغربي، ما يعكس، حسب الطرح، ازدواجية واضحة في المعايير. كما يشير إلى أن هذا التحيز الإعلامي ساهم في خلق رأي عام مهيأ لتقبل خيار الحرب، عبر تضخيم أخطاء إيران وتجاهل سياقاتها.
ومن زاوية تحليلية أعمق، يبرز المقال أن الصراع الدائر ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو صدام بين مشروعين: مشروع يسعى لفرض الهيمنة الجيوسياسية، وآخر يرفع شعار الاستقلال والسيادة. وفي هذا السياق، تُقدَّم إيران كدولة تخوض “حرب بقاء”، حيث تصبح المقاومة، وفق هذا المنطق، الخيار الوحيد للحفاظ على تماسكها الداخلي واستقلال قرارها.
القراءة النقدية لهذا الخطاب تكشف أن الحقيقة تظل رهينة تعدد الروايات، وأن ما يجري اليوم لا يُحسم فقط في ميادين القتال، بل أيضاً في ساحات الإعلام وصناعة الوعي. وبين رواية تُشيطن وأخرى تُبرر، يبقى المشهد مفتوحاً على صراع طويل تتداخل فيه السياسة بالعقيدة، والإعلام بالقوة العسكرية، في عالم لم يعد يعترف بالحياد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك