أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل
عاد ملف التعليم ليتصدر واجهة النقاش
العمومي بالمغرب بقوة، بعدما تصاعدت موجة الانتقادات والغضب الشعبي بسبب استمرار
الاختلالات التي تضرب المنظومة التعليمية، في وقت تجد فيه الحكومة نفسها تحت ضغط
متزايد لتقديم حلول حقيقية لأزمة أصبحت تهدد مستقبل ملايين التلاميذ والأسر
المغربية.
وخلال الأشهر الأخيرة، تحولت قضايا
الاكتظاظ داخل الأقسام ونقص الأطر التربوية وتراجع جودة التحصيل الدراسي إلى محور
يومي للنقاش داخل الشارع المغربي ومواقع التواصل الاجتماعي، خاصة مع تزايد شكاوى
الأسر من التفاوت الكبير بين التعليم العمومي والخصوصي، وما يرافق ذلك من شعور
متنامٍ بانعدام تكافؤ الفرص.
كما فجرت نتائج عدد من التقارير
الوطنية والدولية موجة قلق واسعة بشأن مستوى التلاميذ المغاربة في اللغات والعلوم
والرياضيات، وهو ما أعاد طرح الأسئلة القديمة حول جدوى الإصلاحات المتتالية التي
استنزفت ميزانيات ضخمة دون أن تنعكس بشكل واضح على جودة التعليم داخل المدارس
العمومية.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة أن إصلاح
التعليم يعد من أكبر الأوراش الوطنية المفتوحة حاليًا، مشيرة إلى أن تنزيل خارطة
الطريق الجديدة يروم إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية وتحسين ظروف التمدرس وتطوير
المناهج والرفع من مستوى التكوين والتأطير التربوي.
غير أن عددا من الفاعلين التربويين
والنقابيين يرون أن الأزمة أعمق من مجرد إصلاحات تقنية أو تغييرات ظرفية، معتبرين
أن المنظومة التعليمية تعاني تراكمات طويلة من الارتباك في السياسات والتجارب
الإصلاحية غير المستقرة، ما جعل المدرسة المغربية تفقد تدريجيًا دورها كرافعة
حقيقية للعدالة الاجتماعية والترقي المجتمعي.
وتعيش الأسر المغربية بدورها تحت ضغط
متزايد بسبب ارتفاع تكاليف الدراسة والدروس الخصوصية والنقل واللوازم المدرسية، في
ظل تراجع الثقة في قدرة التعليم العمومي على ضمان مستقبل أفضل للأبناء، وهو ما دفع
فئات واسعة نحو التعليم الخصوصي رغم الأعباء المالية الثقيلة.
كما يثير ملف الخصاص في الموارد البشرية
جدلًا متواصلاً، خصوصًا في العالم القروي والمناطق النائية التي ما تزال تعاني
نقصًا حادًا في الأساتذة والبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية، الأمر الذي يفاقم
الفوارق المجالية ويعمق أزمة الهدر المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة.
وفي خضم هذه التحديات، عاد التوتر
أيضًا إلى العلاقة بين وزارة التربية الوطنية والأسرة التعليمية، بعد استمرار
الجدل حول النظام الأساسي وظروف العمل والترقيات والتحفيزات المهنية، وهي الملفات
التي فجرت خلال الفترات الماضية احتجاجات وإضرابات أثرت بشكل مباشر على السير
العادي للدراسة.
ويرى مراقبون أن أزمة التعليم بالمغرب
لم تعد مجرد ملف قطاعي، بل تحولت إلى قضية مجتمعية وسياسية كبرى، لأن مستقبل
التنمية والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي يرتبط بشكل مباشر بجودة المدرسة العمومية
وقدرتها على تكوين أجيال مؤهلة وقادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
كما يؤكد متابعون أن أي إصلاح حقيقي
للمنظومة التعليمية لن ينجح دون إعادة بناء الثقة بين الدولة والأسرة التعليمية
والأسر المغربية، عبر توفير شروط الكرامة والتحفيز داخل المدرسة العمومية وضمان
تكافؤ الفرص بين جميع أبناء المغاربة مهما كانت أوضاعهم الاجتماعية أو مناطقهم
الجغرافية.
وبين الوعود الحكومية والغضب الشعبي
واستمرار الأعطاب البنيوية، يبدو أن التعليم في المغرب يقف اليوم أمام لحظة حاسمة،
إما أن تتحول الإصلاحات الحالية إلى بداية إنقاذ حقيقي للمدرسة العمومية، أو يستمر
النزيف الذي يهدد مستقبل أجيال كاملة ويعمق الفوارق الاجتماعية داخل المجتمع
المغربي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك