أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مؤشر جديد يثير القلق بشأن مستقبل سوق الشغل بالمغرب، كشفت معطيات حديثة أن عدداً من المقاولات الصناعية يتجه نحو تقليص مناصب العمل خلال الأشهر المقبلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع دائرة البطالة وتراجع القدرة على خلق فرص الشغل، رغم الخطابات الرسمية المتكررة حول دعم الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي.
وأظهرت نتائج استطلاع دوري حول الظرفية الاقتصادية أن القطاع الصناعي يواجه مرحلة دقيقة تتسم بحالة من الحذر والترقب، حيث تتوقع العديد من المقاولات انخفاض عدد العاملين لديها خلال الفصل الثالث من سنة 2026، خاصة في قطاعات النسيج والجلد والصناعات الكيماوية وشبه الكيماوية، وهي قطاعات تشكل جزءاً مهماً من النسيج الإنتاجي الوطني.
ورغم أن أغلبية أرباب المقاولات اعتبروا أن مناخ الأعمال ظل في حدود الوضع "العادي" خلال الفترة الماضية، فإن الأرقام تكشف وجهاً آخر أقل تفاؤلاً. فقرابة خمس المقاولات المستجوبة وصفت ظروف ممارسة النشاط الاقتصادي بأنها غير ملائمة، وهو ما يعكس استمرار التحديات التي تواجه المقاولات في ظل ارتفاع التكاليف وتباطؤ بعض الأنشطة الإنتاجية.
وتبرز الصناعات الكيماوية وشبه الكيماوية كأحد القطاعات التي حافظت نسبياً على تقييم إيجابي لمناخ الأعمال، غير أن الصورة تبدو أكثر قتامة في قطاعات أخرى، وعلى رأسها النسيج والجلد والصناعات الغذائية التي سجلت مستويات أعلى من التقييمات السلبية، ما يعكس حجم الضغوط التي تعيشها هذه الأنشطة الحيوية.
أما على مستوى التشغيل، فإن المؤشرات لا تبدو مطمئنة. فبينما حافظت غالبية المقاولات على أعداد العمال خلال الفصل الثاني من السنة الجارية، فإن نسبة مهمة منها سجلت بالفعل تراجعاً في اليد العاملة، وهو ما يؤشر على بداية تحول مقلق قد يتوسع خلال الفترة المقبلة إذا استمرت الظروف الاقتصادية الحالية.
وتتوقع المقاولات الصناعية أن يكون الفصل الثالث أكثر صعوبة بالنسبة لبعض القطاعات، حيث يرجح أن يستمر نزيف مناصب الشغل في عدد من الأنشطة الصناعية، مقابل تحسن محدود في قطاع الصناعات الميكانيكية والمعدنية واستقرار نسبي في الصناعات الغذائية. ويأتي ذلك في وقت يعيش فيه آلاف الشباب المغاربة أصلاً على وقع أزمة بطالة متفاقمة وانتظار طويل لفرص عمل مستقرة.
ولا تقف التحديات عند حدود التشغيل فقط، إذ تواجه المقاولات أيضاً مشاكل مرتبطة بالتزويد والتموين وارتفاع تكاليف الإنتاج. فجزء مهم من الشركات أقر بوجود صعوبات في الحصول على المواد والمنتجات الضرورية للإنتاج، بينما أكدت نسبة كبيرة منها أن كلفة الإنتاج واصلت الارتفاع، خصوصاً في الصناعات الغذائية وقطاع النسيج والجلد.
وتكشف هذه المعطيات أن المقاولات الصناعية تجد نفسها محاصرة بين ارتفاع المصاريف التشغيلية وضعف هوامش الربح وتراجع القدرة على التوسع والتوظيف. وفي ظل هذه الظروف، تصبح المحافظة على مناصب الشغل نفسها تحدياً يومياً بالنسبة للعديد من الفاعلين الاقتصاديين.
ورغم أن غالبية المقاولات أكدت أن وضعيتها المالية لا تزال مستقرة نسبياً، فإن مؤشرات الضغط بدأت تظهر بشكل واضح لدى عدد من الشركات، خاصة في الصناعات الغذائية التي سجلت أعلى مستويات الصعوبات المرتبطة بالخزينة والسيولة المالية.
وتأتي هذه المؤشرات الاقتصادية في سياق يتزايد فيه الجدل حول فعالية السياسات الحكومية في مواجهة أزمة التشغيل ودعم النسيج الصناعي الوطني. فبينما تتحدث الحكومة عن تحقيق النمو وجذب الاستثمارات الكبرى، تعكس أرقام المقاولات واقعاً أكثر تعقيداً، عنوانه الأساسي أن جزءاً من الصناعة المغربية ما زال يواجه تحديات ثقيلة تهدد قدرته على التوسع وخلق فرص العمل.
وفي وقت يترقب فيه المغاربة حلولاً عملية لأزمة البطالة وتحسين الأوضاع الاجتماعية، تبدو الإشارات الصادرة عن القطاع الصناعي بمثابة جرس إنذار جديد، يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى سياسات اقتصادية أكثر نجاعة وقدرة على حماية المقاولات ودعم التشغيل، قبل أن تتحول المخاوف الحالية إلى أزمة أعمق تطال سوق الشغل والاقتصاد الوطني برمته.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك