لا تغيير جوهري في السياسة الاقتصادية بالمملكة حسب "فيتش" وتحذير من ضغط الإنفاق والمالية العامة

لا تغيير جوهري في السياسة الاقتصادية بالمملكة حسب "فيتش" وتحذير من ضغط الإنفاق والمالية العامة
اقتصاد / الأحد 20 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

رسمت وكالة التصنيف الائتماني «فيتش» صورة متوازنة لمسار الاقتصاد المغربي خلال المرحلة المقبلة، بعدما أبقت على التصنيف السيادي طويل الأجل للمملكة عند «BB+» مع نظرة مستقبلية مستقرة، معتبرة أن الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026 لن تقود، وفق تقديراتها، إلى تغيير جوهري في التوجه العام للسياسة الاقتصادية.

وأوضحت الوكالة، في مراجعتها الصادرة في 17 شتنبر 2026، أن استمرار السياسة الاقتصادية في الاتجاه نفسه يرتبط بتوقع بقاء السلطات المغربية مركزة على ضبط المالية العمومية، بصرف النظر عن تركيبة الحكومة التي ستفرزها الانتخابات المقبلة. غير أن «فيتش» لفتت في المقابل إلى أن تنامي التوترات الاجتماعية والمطالب المرتبطة بزيادة الإنفاق الاجتماعي قد يشكل ضغطاً إضافياً على الميزانية، وهو ما يمكن أن يرفع حجم النفقات العمومية مقارنة بالتقديرات الأساسية للوكالة.

ويأتي تثبيت التصنيف عند «BB+» ليعكس، بحسب «فيتش»، مجموعة من نقاط القوة التي تدعم الوضع المالي للمغرب، من بينها السياسات الاقتصادية الكلية، واحتياطيات السيولة الخارجية، إلى جانب الدعم الذي توفره الجهات الدائنة الرسمية. وفي المقابل، أشارت الوكالة إلى استمرار مجموعة من التحديات، أبرزها ارتفاع الدين الحكومي مقارنة بعدد من الدول المصنفة ضمن الفئة نفسها، إضافة إلى مؤشرات مرتبطة بالحكامة والتنمية والتعرض لتداعيات الظروف المناخية.

وتتوقع «فيتش» أن يتسع عجز الميزانية المركزية إلى نحو 4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال سنة 2026، مقابل 3.5 في المائة في 2025، قبل أن يتراجع متوسط العجز إلى 3.4 في المائة خلال عامي 2027 و2028، مع انحسار بعض الضغوط المؤقتة على الإنفاق. وترى الوكالة أن تراجع نفقات الدعم، خصوصاً مع استقرار أسعار الطاقة، سيكون من بين العوامل الرئيسية التي ستساهم في تقليص العجز خلال السنوات المقبلة.

وفي الوقت نفسه، تتوقع المؤسسة استمرار ارتفاع الاستثمارات العمومية المرتبطة بالبنيات التحتية، في سياق الاستعداد لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030، حيث يرجح أن يبلغ متوسط الإنفاق الاستثماري المدرج في الميزانية حوالي 7.5 في المائة من الناتج الداخلي خلال 2027 و2028. كما تشير «فيتش» إلى أن جزءاً كبيراً من الاستثمارات سيُنجز عبر المؤسسات العمومية والشراكات بين القطاعين العام والخاص وهيئات أخرى خارج الميزانية المباشرة للدولة.

وتضع هذه الاستثمارات المالية العمومية أمام اختبار إضافي، إذ تحذر «فيتش» من المخاطر التي قد تنتج عن ارتفاع تكاليف المشاريع عن التقديرات، أو الحاجة إلى تقديم دعم حكومي أكبر، أو تراكم التزامات محتملة يمكن أن تنتقل مستقبلاً إلى الميزانية السيادية. وفي المقابل، ترى الوكالة أن بنية الدين المغربي توفر بعض عوامل الحماية، بالنظر إلى آجال الاستحقاق الطويلة وارتفاع حصة أدوات الدين ذات أسعار الفائدة الثابتة والاعتماد المهم على التمويل الخارجي بشروط ميسرة.

وبحسب توقعات الوكالة، سيظل الدين الحكومي المركزي في حدود 67 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول 2028، وهو المستوى نفسه المسجل في 2025، لكنه يظل أعلى بشكل واضح من متوسط الدول المصنفة ضمن فئة «BB» الذي تقدره «فيتش» بنحو 51 في المائة. ويعكس ذلك استمرار الحاجة إلى الحفاظ على مسار ضبط تدريجي للمالية العمومية، خصوصاً في ظل ارتفاع متطلبات الاستثمار والإنفاق الاجتماعي.

وعلى مستوى النمو، تتوقع «فيتش» تباطؤ وتيرة توسع الاقتصاد المغربي إلى 4 في المائة خلال 2026، مقارنة بـ4.9 في المائة خلال 2025، على أن يبلغ متوسط النمو نحو 4.2 في المائة خلال 2027 و2028. وتعزو الوكالة هذا التباطؤ جزئياً إلى ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل وضعف الطلب الخارجي، ولا سيما في السوق الأوروبية، مقابل استفادة الاقتصاد من موسم فلاحي قوي واستمرار الاستثمارات في قطاعات البنيات التحتية والصناعة والسياحة.

كما توقعت الوكالة تحسن الظروف الخارجية وانخفاض أسعار الطاقة خلال 2027 و2028، بما قد يدعم الأنشطة غير الفلاحية ويعوض جزئياً عودة النمو الزراعي إلى مستويات أكثر اعتيادية بعد الأداء القوي المتوقع خلال 2026. وفي السياق نفسه، تتوقع «فيتش» ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 3.8 في المائة من الناتج خلال 2026، قبل تراجعه إلى متوسط 2.6 في المائة خلال 2027 و2028.

وتبرز الاحتياطيات الخارجية كأحد عناصر القوة التي استندت إليها «فيتش» في تثبيت التصنيف، بعدما بلغت احتياطيات النقد الأجنبي نحو 48 مليار دولار في نهاية 2025، مع توقع استمرار ارتفاعها بشكل معتدل بدعم من عائدات الصادرات وتعافي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر. كما أشارت الوكالة إلى أن خط الائتمان المرن الجديد الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي في أبريل 2026، بقيمة تقارب 4.5 مليارات دولار، يوفر هامشاً إضافياً لمواجهة الصدمات الخارجية.

وبذلك تضع «فيتش» الاقتصاد المغربي أمام معادلة دقيقة خلال السنوات المقبلة: الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والمالي من جهة، ومواصلة تمويل الاستثمارات الكبرى والاستجابة للضغوط الاجتماعية من جهة أخرى. وفي الوقت الذي لا تتوقع فيه الوكالة أن تغير الانتخابات التشريعية المقبلة الاتجاه العام للسياسة الاقتصادية، فإنها تشير بوضوح إلى أن قدرة السلطات على التحكم في الإنفاق والحفاظ على مسار خفض العجز والدين ستظل من أبرز العوامل المؤثرة في النظرة المستقبلية للمالية العمومية والتصنيف السيادي للمملكة.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك