أنتلجنسيا المغرب: حمان ميقاتي/م.كندا
دخلت الأسواق
المالية العالمية الثلاثاء مرحلة جديدة من التوتر، بعدما تجاوز عائد سندات الخزانة
الأمريكية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، مسجلاً أعلى مستوياته منذ عام 2007، في وقت
تواصل فيه أسعار النفط ارتفاعها بفعل التوترات الجيوسياسية واضطرابات إمدادات
الطاقة. وتزامن ذلك مع تراجع أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، في
مشهد يعكس تصاعد المخاوف بشأن التضخم وأسعار الفائدة والاقتصاد العالمي.
ويُعد عائد
السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات أحد أهم المؤشرات التي تراقبها الأسواق
العالمية، لأن ارتفاعه يرفع تكلفة الاقتراض للحكومات والشركات والأفراد. وعندما
تتجاوز العوائد مستويات مرتفعة، تصبح القروض أكثر كلفة، كما تتعرض أسواق الأسهم
لضغوط إضافية، إذ يصبح الاستثمار في السندات أكثر جاذبية بالنسبة لبعض المستثمرين.
وسجل العائد
على السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات أكثر من 5% خلال تعاملات الثلاثاء، ليصل إلى
نحو 5.04% في أعلى مستوى له منذ عام 2007. ولم يكن هذا الارتفاع معزولاً عن بقية
الأسواق، إذ شهدت السندات الحكومية في عدد من الاقتصادات الكبرى ارتفاعاً في
العوائد أيضاً، في إشارة إلى أن الضغوط لم تعد مقتصرة على السوق الأمريكية.
وفي الوقت
نفسه، واصلت أسعار النفط صعودها، مع بقاء خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل
واقترابه من 109 دولارات. ويأتي ذلك وسط مخاوف من اضطراب إمدادات الطاقة بسبب
التوترات العسكرية في الشرق الأوسط والهجمات التي طالت منشآت ومسارات مرتبطة بنقل
النفط. ويزيد ارتفاع أسعار الطاقة من مخاوف المستثمرين بشأن التضخم، لأن ارتفاع
تكلفة النفط ينعكس على النقل والصناعة والكهرباء والعديد من السلع والخدمات.
وتشكل هذه
التطورات تحدياً كبيراً للبنوك المركزية، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي
الأمريكي، الذي بدأ اجتماعه لمناقشة السياسة النقدية في ظل ارتفاع عوائد السندات
وأسعار الطاقة. فالنفط المرتفع يمكن أن يزيد الضغوط التضخمية، بينما ارتفاع تكاليف
الاقتراض يمكن أن يضغط في المقابل على النشاط الاقتصادي والاستثمار والاستهلاك.
وانعكست حالة
القلق على أسواق الأسهم. فقد أنهت المؤشرات الأمريكية الرئيسية تعاملات الثلاثاء
على انخفاض، كما تراجعت الأسهم الأوروبية، بينما امتدت الضغوط إلى أسواق أخرى حول
العالم. ويخشى المستثمرون من أن يؤدي استمرار ارتفاع العوائد وأسعار النفط إلى
مرحلة أطول من التشدد النقدي، خصوصاً إذا استمرت معدلات التضخم في الابتعاد عن
المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية.
ويزداد المشهد
تعقيداً بسبب ارتفاع مستويات الدين الحكومي عالمياً، وهو عامل يجعل ارتفاع أسعار
الفائدة أكثر تأثيراً على الموازنات العامة. فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض، ازدادت
كلفة خدمة الديون القائمة وإصدار ديون جديدة، الأمر الذي قد يحد من قدرة الحكومات
على زيادة الإنفاق أو تمويل برامج اقتصادية جديدة.
وفي الولايات
المتحدة، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن ارتفاع عوائد السندات يعكس ما وصفه
بالقضايا العالمية، في وقت تترقب فيه الأسواق قرارات الاحتياطي الفيدرالي وتطورات
أسعار النفط. ويأتي ذلك بينما يحاول المستثمرون تقييم المدى الذي يمكن أن تستمر
فيه العوائد بالارتفاع، وما إذا كان ارتفاعها الحالي يمثل موجة مؤقتة مرتبطة
بالتوترات العالمية أم جزءاً من اتجاه أطول.
أما بالنسبة
للمواطنين والشركات، فإن ارتفاع عوائد السندات لا يبقى محصوراً في الأسواق
المالية. فعوائد السندات الحكومية تشكل مرجعاً للعديد من أسعار الاقتراض، ولذلك
يمكن أن تمتد آثارها إلى قروض الشركات والرهون العقارية وتمويل الاستثمارات. وفي
الوقت نفسه، فإن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يظهر بصورة مباشرة في تكاليف الوقود
والنقل، ثم ينتقل بصورة غير مباشرة إلى أسعار المنتجات والخدمات.
وتراقب
الأسواق أيضاً تحركات الدولار، الذي استفاد من ارتفاع عوائد السندات الأمريكية ومن
توقعات استمرار السياسة النقدية المشددة. ويؤثر ارتفاع الدولار بدوره في الاقتصاد
العالمي، خصوصاً الدول والشركات التي تعتمد على الاقتراض أو شراء السلع الأساسية
بالدولار، ما قد يزيد الضغوط المالية عليها إذا استمرت العملة الأمريكية في
الارتفاع.
وتكشف
التطورات الحالية عن ارتباط متزايد بين السياسة والجغرافيا السياسية والأسواق
المالية. فالتوترات العسكرية في منطقة منتجة للطاقة تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط،
وارتفاع النفط يثير مخاوف التضخم، ومخاوف التضخم تدفع المستثمرين إلى توقع معدلات
فائدة أعلى، وهو ما يرفع عوائد السندات ويضغط بدوره على الأسهم والاقتصاد.
وبينما تترقب
الأسواق قرارات البنوك المركزية خلال الأيام المقبلة، يبقى النفط وأسعار السندات
في مقدمة المؤشرات التي ستحدد اتجاه الأسواق. وإذا استمرت أسعار الطاقة في
الارتفاع بالتزامن مع بقاء عوائد السندات عند مستويات مرتفعة، فقد تواجه الأسواق
العالمية فترة جديدة من التقلب، مع ارتفاع تكلفة الاقتراض وتزايد الضغوط على
الشركات والحكومات والمستهلكين.
المشهد المالي
العالمي يقف بذلك أمام معادلة دقيقة: أسعار نفط مرتفعة تهدد بزيادة التضخم، وعوائد
سندات مرتفعة ترفع تكلفة الاقتراض، وأسواق أسهم تحاول استيعاب هذه الضغوط في الوقت
نفسه. وبينما لا يعني ارتفاع العوائد وحده دخول الاقتصاد العالمي في أزمة، فإن
استمرار هذه العوامل مجتمعة لفترة طويلة قد يجعل مهمة البنوك المركزية والحكومات
أكثر صعوبة خلال المرحلة المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك