أخنوش يتحمل المسؤولية السياسية عن الحصيلة الاقتصادية الكارثية والأرقام تكشف حجم الإرث الثقيل للحكومة المنتهية ولايتها

أخنوش يتحمل المسؤولية السياسية عن الحصيلة الاقتصادية الكارثية والأرقام تكشف حجم الإرث الثقيل للحكومة المنتهية ولايتها
اقتصاد / الإثنين 21 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو ٱلاء

لم تعد معيشة المغاربة خلال السنوات الأخيرة مجرد نقاش سياسي حول الوعود الانتخابية، بل تحولت إلى أرقام تكشف حجم الضغوط التي واجهتها الأسر على مستوى الأسعار والشغل والدخل والقدرة على الادخار، وهي مؤشرات تضع الحكومة التي يقودها عزيز أخنوش أمام حصيلة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس، خصوصاً بعدما أصبحت القدرة الشرائية في صلب النقاش العمومي مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.

أبرز ما يلفت الانتباه هو موجة التضخم التي عرفها المغرب في بداية الولاية الحكومية. فقد ارتفع متوسط أسعار الاستهلاك بنسبة 6.6 في المائة سنة 2022، ثم بنسبة 6.1 في المائة سنة 2023، قبل أن يتراجع التضخم إلى 0.9 في المائة سنة 2024. وبذلك، فإن انخفاض معدل التضخم في 2024 لا يعني أن الأسعار عادت إلى مستويات ما قبل موجة الغلاء، بل يعني أساساً أن وتيرة ارتفاعها أصبحت أبطأ.

وهذا التفصيل مهم بالنسبة للأسر المغربية، لأن الأسعار التي ارتفعت بقوة خلال 2022 و2023 لم تختف آثارها بمجرد تراجع التضخم. فميزانية الأسرة التي أصبحت مطالبة بتخصيص جزء أكبر من دخلها للمواد الأساسية والطاقة والسكن والنقل ظلت تحت ضغط ارتفاع المستوى العام للأسعار.

وتكشف أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط حول مستوى معيشة الأسر أن حصة النفقات الغذائية من إجمالي ميزانية الأسر ارتفعت من 37 في المائة سنة 2014 إلى 38.2 في المائة سنة 2022، فيما ارتفعت حصة السكن والطاقة من 23 إلى 25.4 في المائة. وفي المقابل، تراجعت حصة الإنفاق على الترفيه والثقافة من 1.9 إلى 0.5 في المائة.

وتعطي هذه الأرقام صورة أكثر دقة عن الضغط الذي تعيشه الأسر: فالمشكلة لا تختصر في رقم التضخم السنوي، وإنما تظهر أيضاً في الطريقة التي يعاد بها توزيع دخل الأسرة بين الضروريات والكماليات. وكلما ارتفعت حصة الغذاء والسكن والطاقة، تقلص الهامش المتاح أمام الأسر للادخار والترفيه وبعض الخدمات الأخرى.

أما على مستوى المعيشة، فقد سجلت المندوبية السامية للتخطيط أن مستوى حياة الطبقة الوسطى لم يستفد بالقدر نفسه من التحسن المسجل على المدى الطويل، إذ ارتفع مستوى معيشتها بمتوسط سنوي قدره 0.8 في المائة فقط بين 2014 و2022، مع تسجيل تراجع بنسبة 4.3 في المائة بين 2019 و2022. كما ارتفع مؤشر جيني لقياس التفاوت من 39.5 في المائة سنة 2014 إلى 40.5 في المائة سنة 2022.

وفي سوق الشغل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من الخطاب الحكومي الذي يركز على عدد المناصب المحدثة. فقد أعلنت الحكومة في أبريل 2026 أن الاقتصاد الوطني أحدث 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية بين 2021 و2025، بمعدل يقارب 170 ألف منصب سنوياً، مع تسجيل 233 ألف منصب خلال سنة 2025 وحدها.

لكن معطيات المندوبية السامية للتخطيط تقدم في الوقت نفسه مؤشراً مختلفاً على حجم المشكلة؛ فقد بلغ معدل البطالة سنة 2025 نحو 13 في المائة، أي ما يعادل 1.621 مليون عاطل، فيما ارتفعت بطالة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، وبلغت البطالة لدى النساء 20.5 في المائة. كما ارتفع عدد الأشخاص في وضعية الشغل الناقص من 1.082 مليون إلى 1.190 مليون شخص.

وتكشف هذه المفارقة بين ارتفاع عدد المناصب المعلنة واستمرار البطالة المرتفعة أن ملف التشغيل لا يمكن اختزاله في العدد الإجمالي للمناصب، بل يطرح أيضاً أسئلة حول نوعية الوظائف، وتوزيعها الجغرافي، واستدامتها، وقدرتها على استيعاب الشباب والنساء وحاملي الشهادات.

وتزداد أهمية هذه النقطة بالنظر إلى أن حكومة أخنوش جعلت التشغيل أحد أبرز التزاماتها منذ بداية ولايتها. ففي يناير 2022، وقّع رئيس الحكومة منشوراً يتعلق بتنزيل برنامج لإحداث 250 ألف فرصة شغل مباشر خلال سنتين عبر أوراش عامة صغرى وكبرى مؤقتة.

وفي الجانب المرتبط بالمحروقات، واجهت الحكومة خلال الولاية نفسها نقاشاً حاداً حول الأسعار وهوامش الربح والمنافسة. وفي نوفمبر 2023، أعلن مجلس المنافسة أنه أنهى مسطرة تصالحية ضد تسع شركات تنشط في تموين وتخزين وتوزيع الغازوال والبنزين، إضافة إلى المنظمة المهنية المعنية، وانتهت الاتفاقات إلى أداء مجموع 1.840 مليار درهم كتسوية تصالحية، مع التزامات تتعلق بتحسين شروط المنافسة وتتبع الأسعار.

ولا يعني هذا القرار أن المبلغ يمثل خسارة مباشرة تكبدتها الأسر أو أنه يثبت مسؤولية شخصية على رئيس الحكومة، لكنه يبرز أهمية ملف المنافسة في سوق المحروقات وتأثيره المحتمل على المستهلك، خصوصاً أن أسعار الوقود تنعكس بشكل غير مباشر على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات وأسعار عدد من السلع.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الاقتصاد المغربي حقق مؤشرات إيجابية خلال الولاية نفسها. فقد سجل الناتج الداخلي الحقيقي نمواً بنسبة 4.9 في المائة سنة 2025 وفق معطيات صندوق النقد الدولي، فيما تراجع التضخم بشكل كبير مقارنة بذروة 2022 و2023. كما يشير الصندوق إلى تحسن عدد من مؤشرات مستويات المعيشة على المدى الطويل، مع استمرار تحديات البطالة وسوق الشغل.

لكن هذه المؤشرات لا تلغي السؤال السياسي والاقتصادي الذي يواجه الحكومة: لماذا لا يشعر جزء من المواطنين بتحسن مماثل في حياتهم اليومية رغم تحسن بعض المؤشرات الكلية؟ فصندوق النقد نفسه أشار إلى وجود فجوة بين الأداء الاقتصادي المقاس موضوعياً وبين تصورات المواطنين، في ظل استمرار البطالة المرتفعة، وخاصة بين الشباب.

ومن هذه الزاوية، يصبح تقييم تجربة أخنوش الاقتصادية مرتبطاً ليس فقط بنسبة النمو أو معدل التضخم، وإنما أيضاً بقدرة السياسات الحكومية على تحويل النمو إلى دخل وفرص شغل واستقرار في كلفة المعيشة. فالمواطن الذي يواجه أسعاراً مرتفعة وسوق شغل صعباً لا يقيس الوضع الاقتصادي بمؤشرات الاقتصاد الكلي وحدها، بل بما يبقى في جيبه في نهاية الشهر.

وعليه، فإن الحصيلة الاقتصادية لولاية عزيز أخنوش تظل محكومة بصورة مزدوجة: من جهة، تحسن واضح في بعض المؤشرات الكلية وانخفاض كبير في التضخم بعد ذروة موجة الأسعار، ومن جهة أخرى استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة، وارتفاع بطالة الشباب، وتزايد الشغل الناقص، إلى جانب ضغط تكاليف الغذاء والسكن والطاقة على ميزانيات الأسر.

وبالتالي، فإن تحميل رئيس الحكومة وحده كل أسباب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية سيكون تبسيطاً لعوامل متعددة، بينها الجفاف وتقلبات الأسواق الدولية والظرفية الاقتصادية العالمية. لكن في المقابل، تظل الحكومة مسؤولة سياسياً عن السياسات التي اختارتها، وعن مدى تنفيذ الوعود التي قدمتها، وعن النتائج التي تحققت خلال فترة توليها المسؤولية.

وهنا تكمن المعضلة الأساسية في حصيلة أخنوش: **هل استطاعت الحكومة تحويل النمو والاستثمارات والإصلاحات إلى تحسن ملموس ومستدام في القدرة الشرائية وفرص الشغل؟** الأرقام الرسمية تقدم عناصر الإجابة، لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الطريق بين مؤشرات الاقتصاد الكلي وبين الحياة اليومية للمغاربة لا يزال يحمل فجوة كبيرة.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك