أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بينما تتسابق القوى الاقتصادية الكبرى للسيطرة على المعادن الاستراتيجية التي ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، يجد المغرب نفسه أمام مفارقة لافتة؛ فهو يمتلك أكبر ثروة فوسفاتية على وجه الأرض، لكنه لا يزال بعيداً عن ترجمة هذا التفوق الجيولوجي إلى هيمنة صناعية عالمية في قطاع البطاريات الذي أصبح قلب الثورة التكنولوجية والطاقية الجديدة.
تقرير دولي حديث صادر عن الوكالة الدولية للطاقة وضع هذه المفارقة تحت المجهر، بعدما كشف أن المملكة تستحوذ على نحو 70 في المائة من الاحتياطي العالمي لصخور الفوسفات، وهي نسبة تجعلها القوة الأولى عالمياً بلا منازع من حيث المخزون، غير أن مساهمتها في الإنتاج العالمي الفعلي لا تتجاوز 15 في المائة، فيما تشير التوقعات إلى أن نصيبها من الطاقة الإنتاجية العالمية لحمض الفوسفوريك المنقى الموجه لصناعة البطاريات لن يتعدى 5 في المائة بحلول سنة 2035.
هذه الأرقام تبرز اتساع الفجوة بين امتلاك الثروة الطبيعية وبين القدرة على التحكم في حلقات التصنيع ذات القيمة المضافة العالية، في وقت تواصل فيه الصين فرض هيمنتها المطلقة على السوق العالمية. فبكين، رغم امتلاكها نسبة محدودة من الاحتياطات العالمية للفوسفات، تتربع على عرش الإنتاج العالمي، كما تسيطر على الجزء الأكبر من صناعة حمض الفوسفوريك المنقى المستخدم في بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، التي أصبحت المكون الرئيسي لسيارات المستقبل وأنظمة تخزين الطاقة الحديثة.
وتزداد أهمية هذا المعطى مع التحول الكبير الذي يشهده قطاع السيارات الكهربائية عالمياً، حيث أصبحت بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم تستحوذ على الحصة الأكبر من الأسواق الدولية، بعدما تحولت إلى الخيار المفضل لشركات التصنيع الكبرى بفضل كلفتها التنافسية ومستويات الأمان العالية التي توفرها مقارنة بأنواع أخرى من البطاريات.
وفي خضم هذا السباق العالمي المحتدم، بات المغرب يجذب استثمارات صينية ضخمة في قطاع البطاريات والمعادن الاستراتيجية، مستفيداً من احتياطاته الفوسفاتية الهائلة ومن شبكة اتفاقياته التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وقد دفعت هذه الامتيازات عدداً من الشركات الصينية العملاقة إلى اختيار المملكة كقاعدة صناعية ولوجستية للوصول إلى الأسواق الغربية، في خطوة يرى مراقبون أنها تمنح الرباط موقعاً استراتيجياً متقدماً داخل سلاسل التوريد العالمية الجديدة.
ولا يتوقف الأمر عند الفوسفات فقط، بل يمتد إلى معادن أخرى حيوية لصناعة البطاريات، حيث تتجه مجموعة "مناجم" إلى تعزيز حضورها في سوق الكوبالت عبر التحول نحو إنتاج كبريتات الكوبالت المطلوبة بقوة في الصناعات الكهربائية الحديثة، في وقت تتزايد فيه التوقعات بنمو الطلب العالمي على هذه المادة خلال السنوات المقبلة.
كما دخل المغرب بقوة إلى قطاع الغرافيت، من خلال مشاريع صناعية واعدة بمدينة طنجة تستهدف إنتاج مواد عالية الجودة مخصصة لصناعة أقطاب البطاريات، في مؤشر على رغبة المملكة في تجاوز دور الممون التقليدي للمواد الخام نحو التموقع كفاعل صناعي داخل الاقتصاد الأخضر العالمي.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، خاصة مع الاضطرابات الجيوسياسية التي تضرب أسواق المواد الأولية وترفع تكاليف الإنتاج. فقد شهدت أسعار حمض الفوسفوريك ارتفاعات ملحوظة خلال الأشهر الأخيرة بسبب اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار حمض الكبريتيك، وهو ما يعكس حجم الترابط بين الصناعات الاستراتيجية والنزاعات الدولية المتصاعدة.
وأمام هذه التحولات المتسارعة، يبدو أن الرهان الحقيقي للمغرب لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الثروة المدفونة في باطن الأرض، بل بقدرته على تحويل هذه الثروة إلى صناعة متكاملة تخلق القيمة المضافة وتمنحه موقعاً مؤثراً في معركة المعادن الحرجة التي ترسم اليوم خرائط النفوذ الاقتصادي العالمي. فامتلاك أكبر احتياطي فوسفات في العالم لم يعد كافياً وحده، ما لم يتحول إلى قوة صناعية قادرة على منافسة العمالقة الذين يسيطرون على الأسواق والتكنولوجيا وسلاسل الإنتاج.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك