أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
كشفت المؤشرات المالية الحديثة عن تحوّل لافت في طريقة تدبير الدولة المغربية لمديونيتها الداخلية، بعدما سجلت وتيرة اقتراض الخزينة تراجعاً خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، في وقت بدا فيه واضحاً أن السلطات المالية اختارت إعادة رسم خريطة التمويل العمومي عبر تقليص الاعتماد على بعض أنواع الديون والتركيز بشكل أكبر على الاقتراض متوسط الأجل.
ووفق معطيات رسمية صادرة عن مديرية الدراسات والتوقعات المالية، فإن حجم الاكتتابات الخام للخزينة عرف انخفاضاً بنسبة 11,3 في المائة مع نهاية الأشهر الأربعة الأولى من السنة الجارية، ليستقر عند 47,7 مليار درهم، في مؤشر يعكس تغيراً في توجهات الدولة بخصوص آليات تعبئة التمويلات اللازمة لتغطية حاجياتها المالية.
وتبرز الأرقام المسجلة تراجعاً واضحاً في الإقبال على الإصدارات قصيرة الأجل، التي هبطت بنسبة 21 في المائة لتصل إلى 7,2 مليار درهم فقط، بينما سجلت السندات طويلة الأجل تراجعاً أكثر حدة وُصف باللافت، بعدما انخفضت بنسبة 85,9 في المائة، متوقفة عند 2,7 مليار درهم، وهو ما يعكس ميلاً متزايداً نحو الحد من كلفة الديون الممتدة زمنياً.
في المقابل، اتجهت الخزينة إلى تكثيف الاعتماد على التمويلات متوسطة الأجل، التي ارتفعت بشكل قوي بلغت نسبته 47,3 في المائة، لتصل قيمتها إلى 37,9 مليار درهم، مستحوذة على ما يقارب أربعة أخماس إجمالي الإصدارات، بعدما كانت حصتها أقل بكثير خلال الفترة نفسها من السنة الماضية، في تحول يراه متابعون مؤشراً على مراجعة استراتيجية إدارة الدين الداخلي.
كما أظهرت المعطيات نفسها أن عمليات تسديد الخزينة شهدت بدورها انخفاضاً بنسبة 9 في المائة على أساس سنوي، لتبلغ 29,4 مليار درهم، بما يشمل عمليات المبادلة وإعادة الشراء، وهو ما انعكس مباشرة على حجم الإصدارات الصافية التي تراجعت بنسبة تقارب 15 في المائة لتستقر عند 18,3 مليار درهم.
وعلى مستوى الرصيد الإجمالي لسندات الخزينة المطروحة عبر المناقصات، استقر الحجم عند 805,7 مليار درهم إلى حدود نهاية أبريل، مسجلاً تراجعاً طفيفاً مقارنة بالشهر السابق، لكنه ظل مرتفعاً مقارنة بنهاية سنة 2025، ما يعكس استمرار اعتماد الدولة على آلية الدين الداخلي لتغطية جزء مهم من احتياجاتها التمويلية.
ورغم هذا التحول، لا تزال السندات طويلة الأجل تستحوذ على النصيب الأكبر من الرصيد الإجمالي بنسبة تفوق 65 في المائة، غير أن حصتها سجلت تراجعاً طفيفاً، مقابل صعود ملحوظ للسندات متوسطة الأجل التي واصلت تعزيز موقعها داخل هيكلة الدين العمومي، بينما بقيت السندات قصيرة الأجل في مستويات محدودة.
وفي مؤشر آخر على دينامية السوق المالية، ارتفع حجم العروض المقدمة في سوق المناقصات بأكثر من 29 في المائة ليصل إلى 134,1 مليار درهم، مدفوعاً بزيادة قوية في العروض المرتبطة بالآجال القصيرة والمتوسطة، في حين شهدت العروض طويلة الأجل تراجعاً حاداً، ما يعكس تغيراً في توجهات المستثمرين والمؤسسات المالية تجاه آجال التمويل.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن هذا التوجه يعكس محاولة واضحة من الخزينة لإعادة التوازن إلى بنية مديونيتها الداخلية، عبر تقليص الاعتماد على القروض الطويلة ذات الكلفة المرتفعة، والرهان على تمويلات متوسطة الأجل تمنح هامشاً أكبر للتحكم في كلفة الدين وتدبير الالتزامات المالية مستقبلاً، في سياق اقتصادي لا يزال يفرض ضغوطاً متزايدة على المالية العمومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك