أنتلجنسيا:أبو جاسر
يواصل قطاع الطماطم في المغرب تسجيل قفزات قياسية على مستوى التصدير، لكن خلف هذه الأرقام اللامعة تتراكم تحديات ثقيلة تهدد استدامة هذا النجاح وتطرح أسئلة حقيقية حول كلفته الاقتصادية والبيئية.
وتؤكد المعطيات الأخيرة، أن صادرات الطماطم المغربية بلغت مستوى غير مسبوق خلال موسم 2024-2025، بعدما لامست عتبة 745 ألف طن، وهو رقم يعكس نمواً قوياً يقارب 80 في المائة خلال عشر سنوات فقط، ما مكن المملكة من تثبيت موقعها كثالث أكبر مزود للسوق الأوروبية، خلف إسبانيا وهولندا، في سباق محموم على الحصص والأسواق.
غير أن هذا التوسع لم يكن مجرد زيادة في الكميات، بل رافقه تحول عميق في طبيعة المنتج، حيث أصبحت الطماطم ذات القيمة المضافة العالية، مثل الكرزية والأصناف الفاخرة، تمثل ما يقارب 60 في المائة من إجمالي الصادرات، في توجه واضح نحو الربح عبر الجودة بدل الحجم، وهو خيار استراتيجي أعاد رسم ملامح القطاع ورفع تنافسيته.
في هذا السياق، تجاوزت صادرات الطماطم المقطعة 400 ألف طن، مسجلة نمواً سريعاً خلال فترة وجيزة، ما جعلها العمود الفقري للصادرات المغربية، خصوصاً مع الطلب الأوروبي المتزايد على المنتجات الجاهزة والمتميزة.
ورغم أن فرنسا تظل الوجهة الأولى للطماطم المغربية، فإن هذا المعطى يخفي حقيقة أكثر تعقيداً، إذ تتحول مناطق مثل بيربينيان إلى منصات عبور نحو أسواق أخرى كألمانيا والدول الإسكندنافية والنمسا، وهو ما دفع المصدرين المغاربة إلى إعادة التفكير في استراتيجياتهم، عبر التوجه نحو التوزيع المباشر وتقليص الاعتماد على الوسطاء.
وتبرز ألمانيا كأحد أهم الأسواق الصاعدة، بعدما تضاعفت حصتها من واردات الطماطم المغربية خلال السنوات الأخيرة، في مؤشر على تحول تدريجي في خريطة التصدير، حيث بات المغرب لاعباً رئيسياً في تزويد السوق الأوروبية، خاصة في فئة الطماطم الصغيرة.
لكن هذا النجاح يخفي تركيزاً كبيراً داخل القطاع، حيث تهيمن شركات محدودة على أغلب الصادرات، خصوصاً في جهة سوس ماسة، ما يعكس بنية غير متوازنة قد تطرح تحديات تتعلق بالمنافسة وتوزيع العائدات.
وفي خضم هذا التوسع، تبرز أزمة الموارد كأحد أخطر التحديات، إذ أدى الضغط المتزايد على المياه إلى استنزاف الفرشات المائية، ما فرض اللجوء إلى تحلية مياه البحر، وهو خيار مكلف يرفع بشكل مباشر كلفة الإنتاج ويضغط على هوامش الربح.
ولا تقف التحديات عند هذا الحد، فارتفاع أسعار الطاقة ونقص اليد العاملة يزيدان من تعقيد المعادلة، في وقت يراهن فيه الفاعلون على تطوير مناطق إنتاج جديدة مثل الداخلة، التي يُنتظر أن تلعب دوراً محورياً في مستقبل القطاع.
هكذا، يبدو أن “الذهب الأحمر” المغربي يسير على حبل دقيق: أرقام قياسية في التصدير من جهة، وضغوط متصاعدة قد تعيد رسم قواعد اللعبة من جهة أخرى، في سباق لن يحسمه الإنتاج وحده، بل القدرة على التكيف مع واقع اقتصادي وبيئي يزداد قسوة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك