أنتلجنسيا:أبو آلاء
في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن تنامي الاعتماد على التمويلات الأجنبية، وقع المغرب، اليوم الجمعة بالرباط، اتفاقاً جديداً بقيمة 500 مليون أورو ضمن المرحلة الثانية من برنامج إعادة إعمار المناطق المتضررة من زلزال الحوز، في خطوة تعكس استمرار اللجوء إلى القروض والشراكات المالية الدولية لتمويل المشاريع الكبرى وإعادة تأهيل البنيات التحتية.
وحضر مراسم التوقيع الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، إلى جانب نائب رئيس البنك الأوروبي للاستثمار يوانيس تساكيريس وسفير الاتحاد الأوروبي بالمغرب ديميتير تزانتشيف، وذلك في إطار استكمال حزمة تمويلية ضخمة تصل قيمتها الإجمالية إلى مليار أورو التزم بها البنك الأوروبي للاستثمار لدعم جهود إعادة البناء بعد الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم الحوز في شتنبر 2023.
ويأتي هذا التمويل الجديد تحت مظلة الصندوق الأوروبي للتنمية المستدامة بلوس، مستفيداً من ضمانات مباشرة من الاتحاد الأوروبي، ما يعكس حجم الانخراط الأوروبي في تمويل مشاريع إعادة الإعمار بالمغرب، لكنه يسلط الضوء في المقابل على تنامي ارتباط المشاريع التنموية الكبرى بمصادر التمويل الخارجية في مرحلة تشهد ارتفاعاً ملحوظاً في حجم المديونية العمومية.
ويرى متابعون للشأن الاقتصادي أن اللجوء المتواصل إلى الاقتراض الخارجي، رغم ضرورته في بعض الحالات الاستثنائية، يطرح أسئلة متزايدة حول كلفة خدمة الدين خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توالي الالتزامات المالية المرتبطة بمشاريع البنية التحتية الكبرى وبرامج التنمية وإعادة الإعمار. فكل تمويل جديد، مهما كانت أهدافه نبيلة أو استعجالية، يضيف أعباء إضافية على الميزانية العمومية ويزيد من حجم الالتزامات التي سيتعين تسديدها مستقبلاً.
وكانت المرحلة الأولى الممتدة بين 2023 و2025 قد ركزت على التدخلات العاجلة الرامية إلى إعادة الحياة إلى المناطق المنكوبة، من خلال بناء المدارس والمراكز الصحية وإصلاح الطرق والمسالك وفك العزلة عن الدواوير المتضررة. أما المرحلة الثانية الممتدة إلى غاية 2030، فتستهدف الانتقال من منطق التدخل الاستعجالي إلى منطق التنمية الشاملة، عبر تحديث البنيات التحتية الطرقية وتعزيز الخدمات التعليمية والصحية وتقوية قدرة المناطق الجبلية على مواجهة التحديات المناخية والاقتصادية.
غير أن هذا التحول التنموي الطموح يأتي في سياق اقتصادي حساس، حيث يواجه المغرب تحدي الموازنة بين ضرورة تسريع وتيرة الاستثمار العمومي وتحقيق التنمية المجالية من جهة، والحفاظ على توازنات المالية العمومية والحد من تضخم المديونية الخارجية من جهة أخرى. وبين الحاجة الملحة إلى إعادة إعمار الحوز واستكمال المشاريع التنموية الكبرى، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى قدرة الاقتصاد الوطني على تحمل مزيد من القروض دون أن تتحول فوائدها وأقساطها إلى عبء ثقيل على الأجيال المقبلة.
ومع تدفق مئات الملايين من الأورو إلى مشاريع إعادة الإعمار، تتجه الأنظار إلى الكيفية التي ستُستثمر بها هذه الموارد وإلى مدى نجاحها في خلق تنمية حقيقية ومستدامة بالمناطق المتضررة، بدل الاكتفاء بإضافة أرقام جديدة إلى سجل الديون الخارجية التي باتت تثير نقاشاً متزايداً داخل الأوساط الاقتصادية والمالية بالمملكة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك