أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
في قراءة تحمل الكثير من الرسائل السياسية والاقتصادية، رسم صندوق النقد الدولي صورة متفائلة لمسار الاقتصاد المغربي خلال سنة 2026، متوقعاً استمرار وتيرة نمو قوية مدفوعة بزخم الاستثمار العمومي والخاص ومحصول فلاحي وافر بعد تساقطات مطرية استثنائية، في سياق دولي لا يخلو من الاضطرابات.
خلاصات بعثة المشاورات التي أجراها خبراء المؤسسة المالية الدولية مع السلطات المغربية ما بين أواخر يناير ومنتصف فبراير، في إطار تقييم المادة الرابعة، أكدت أن الاقتصاد الوطني أنهى سنة 2025 على وقع انتعاش لافت قُدّر بنحو 4,9 في المائة، بفضل الأداء القوي لقطاعات الفلاحة والبناء والخدمات. الصندوق يتوقع أن تستمر نفس النسبة تقريباً خلال 2026، مستندة إلى دينامية استثمارية متصاعدة وإلى انتعاش فلاحي مدعوم بأمطار غير مسبوقة.
المؤسسة الدولية رصدت أيضاً متانة ملحوظة في جانب المداخيل، معتبرة أن الأداء الجيد للإيرادات، مرفوقاً بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، يفتح المجال لتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري واستعادة هوامش مالية كانت قد تقلصت خلال فترات سابقة. وفي ما يشبه التنبيه غير المباشر، شدد خبراء الصندوق على ضرورة تخصيص جزء من الفوائض لتعزيز الاحتياطيات الميزانياتية بدل توجيهها بالكامل نحو نفقات إضافية.
على مستوى الأسعار، سجل التقرير تباطؤاً واضحاً في التضخم خلال 2025، إذ استقر في حدود 0,8 في المائة كمعدل سنوي، نتيجة تراجع الضغوط المرتبطة بالمواد الغذائية. غير أن المنحى مرشح للارتفاع التدريجي ليبلغ حوالي 2 في المائة في أفق منتصف 2027، مدفوعاً بتأثيرات تخفيضات سابقة لسعر الفائدة وبعودة النشاط الاقتصادي إلى مستويات أعلى.
وفي ما يخص التوازنات الخارجية، يتوقع أن يتسع عجز الحساب الجاري بشكل معتدل، بفعل ارتفاع الواردات المرتبطة بالاستثمارات العمومية الكبرى، رغم الأداء القوي لعائدات السياحة. هذا العجز سيجد متنفسه جزئياً في تدفقات أكبر للاستثمارات الأجنبية المباشرة، فيما اعتبر الصندوق أن مستوى الاحتياطيات من العملة الصعبة لا يزال في حدود مريحة.
البعثة وصفت المخاطر المحيطة بالآفاق الاقتصادية بأنها “متوازنة عموماً”، لكنها لم تخف احتمال تأثر المغرب بتباطؤ محتمل في منطقة اليورو أو بتقلبات أسعار المواد الأولية، ما يجعل هامش المناورة مرتبطاً بالتحولات الخارجية بقدر ما هو رهين بالقرارات الداخلية.
مالياً، أشار التقرير إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة المداخيل إلى الناتج الداخلي الخام خلال السنتين الأخيرتين، مدعوماً بإصلاحات ضريبية وتحسين آليات التحصيل، فيما تراجع عجز الميزانية إلى حوالي 3,5 في المائة من الناتج الداخلي الخام، أقل من المستوى المتوقع سابقاً. ورغم توجيه جزء من الفائض نحو استثمارات إضافية وتحويلات لفائدة مؤسسات ومقاولات عمومية، دعا الصندوق إلى توخي الحذر وتعزيز الصلابة المالية على المدى المتوسط.
وفي الجانب الاجتماعي، سجلت البعثة تحسناً تدريجياً في ولوج الفئات الهشة إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، مع تشجيع واضح على تسريع وتيرة الإصلاحات، خصوصاً في ظل الطموح لرفع جودة الرأسمال البشري ليواكب طفرة الاستثمار. كما شددت على أن الاستفادة الكاملة من تسارع الإنفاق العمومي تستدعي إدارة دقيقة للمخاطر الميزانياتية والاقتصادية، خاصة تلك المرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية.
على صعيد السياسة النقدية، اعتبر الصندوق أن التوجه الحالي لبنك المغرب يظل مناسباً في ظل تحكم نسبي في التضخم، مع دعوة لمواصلة الانتقال التدريجي نحو مرونة أكبر في سعر الصرف والمضي قدماً في تبني إطار أكثر وضوحاً لاستهداف التضخم. كما نوه بالإصلاحات المتدرجة لمعالجة القروض المتعثرة، داعياً إلى تقوية مناعة النظام المالي في مواجهة الصدمات المحتملة.
لكن خلف هذا التفاؤل، يبرز تحدي التشغيل كأكبر اختبار حقيقي للمرحلة المقبلة. التقرير شدد على أن خلق فرص عمل مستدامة يظل رهيناً بإصلاحات تعزز تنافسية القطاع الخاص، وتسرّع إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية لضمان حكامة أفضل وحياد تنافسي حقيقي بين الفاعلين العموميين والخواص. كما ثمن الأدوات الموجهة لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، داعياً إلى تتبع دقيق لنتائجها على مستوى التوظيف.
في المحصلة، يقدم صندوق النقد الدولي تقييماً يمنح المغرب جرعة ثقة ثقيلة في ظرفية عالمية مضطربة، لكنه يربط هذا الزخم بشروط صارمة: انضباط مالي، استثمار في الإنسان، إصلاح عميق للمؤسسات، ويقظة دائمة أمام المخاطر الخارجية. إنها معادلة نمو قوي تحت المراقبة، حيث النجاح لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بمدى قدرة الاقتصاد على تحويل الطفرة الاستثمارية إلى فرص شغل دائمة وعدالة اجتماعية ملموسة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك