أنتلجنسيا المغرب:ياسر اروين
رغم الخطاب الرسمي الذي يتغنى بـ"اقتصاد تنافسي" و"حكامة جيدة"، يكشف الواقع بنيةً اقتصادية مُحكمة تُدار من قبل دوائر النفوذ المرتبطة بالمخزن، حيث تتحكم مجموعات اقتصادية كبرى، غالباً ما ترتبط بالمصالح العليا، في القطاعات الأكثر ربحاً مثل المحروقات، الاتصالات، الأبناك، البنيات التحتية، والصفقات العمومية.
هذه السيطرة لم تأتِ من خلال الكفاءة أو المنافسة، بل عبر آليات تفضيلية، وتشريعات مُفصلة، ومساطر تعطي الأفضلية للمقربين على حساب الجميع.
والنتيجة، اقتصاد مزدوج. من جهة شركات تابعة للمخزن أو لأذرعه تستحوذ على الأرباح الهائلة، ومن جهة أخرى مقاولات صغيرة ومتوسطة تُسحق تحت الضغط الضريبي والبيروقراطي وتُحرم من فرص التنافس العادل.
منظومة احتكار تُعيد إنتاج نفسها
ما يُعطِّل النمو ليس غياب الكفاءات ولا نقص الابتكار، بل انسداد مجال المبادرة بسبب شبكات النفوذ التي تجعل النجاح الاقتصادي مرهوناً بالولاء أكثر من القدرة.
فالصفقات الكبرى تمرّ عبر بوابات مغلقة، و"المشاريع الوطنية" تُقسَّم وفق خرائط الربح السياسي لا وفق حاجيات المجتمع.
استمرار هذه المنظومة يخلق دائرة احتكار متواصلة: نفس الفاعلين، نفس الشركات، نفس مراكز القرار، ونفس آليات الإقصاء. أما أي فاعل اقتصادي جديد يحاول دخول السوق، فإما يندمج في المنظومة وإما يُقصى بصمت.
الأسعار: وجه آخر لسلطة التحكم
تضخم الأسعار الذي ينهك المغاربة لا يرتبط فقط بالظرفية العالمية، بل بتنسيق شبه معلن بين الفاعلين المهيمنين على السوق.
ففي المحروقات مثلاً، لم يتم احترام مبدأ المنافسة الحرة منذ رفع الدعم. الشركات المهيمنة راكمت أرباحاً قياسية بينما اكتوى المواطن بنار الزيادات، دون أي تدخل حقيقي للدولة، وكأن مؤسسات الضبط وُجدت فقط لرفع التقارير وليس لحماية المستهلك.
الأمر نفسه يتكرر في مواد البناء، الأسمدة، الاتصالات، والقطاع البنكي الذي يحقق أرباحاً هائلة مقابل نسب فائدة خانقة للمقاولين والأسر.
التهام ميزانيات الدولة وتحويلها إلى ريع مقنّع
عشرات المؤسسات العمومية تُخصَّص لها ميزانيات ضخمة دون أثر واضح على الاقتصاد الحقيقي. فجزء كبير من هذه الموارد يتحول إلى صفقات مشبوهة أو بنفقات تستهلكها الأجهزة المتحكمة في القرار. بدل أن تكون المالية العمومية أداة لتحسين حياة المواطنين، أصبحت مجالاً لإعادة توزيع الثروة على نفس الفئات المحظوظة.
هذا الوضع يُقلّص الإنفاق على القطاعات الاجتماعية الأساسية: الصحة، التعليم، والسكن. النتيجة: مغاربة يعيشون تحت ضغط يومي، في حين تستفيد أقلية قليلة من عوائد الاقتصاد الوطني.
الفئات الهشة والمتوسطة:خاسرون دائمون
تراجع القدرة الشرائية، البطالة المتزايدة، ارتفاع تكلفة العيش، غلاء السكن، وضعف الأجور… كلها نتائج مباشرة لاقتصاد محكوم بمنطق التحكم لا بمنطق التنمية.
الطبقة المتوسطة، التي يُفترض أن تكون محرك الاستقرار، أصابها التآكل. أما الفئات الهشة فتدفع الفاتورة الأكبر:
هجرة جماعية نحو الهامش أو الخارج
انهيار آمال صعود اجتماعي
اتساع رقعة الفقر المديني والقروي
بينما تتباعد الهوة بين من يملك النفوذ ومن يعيش الواقع المرير.
اقتصاد بلا محاسبة ومواطن بلا حماية
السبب الجوهري لهيمنة المخزن الاقتصادية هو غياب المُساءلة. فحين لا تُحاسب المؤسسات العمومية، ولا تُفعل قوانين المنافسة، ولا تُفتح ملفات الاحتكار واللوبيات، يصبح التحكم قدراً مفروضاً لا يمكن كسره إلا بإصلاح سياسي حقيقي يعيد التوازن بين الدولة والمجتمع.
في حين أن الإصلاحات التقنية وحدها غير كافية، لأن أصل الداء سياسي: اقتصاد موجَّه لخدمة السلطة لا لخدمة الشعب.
خلاصة القول، الاقتصاد المغربي لا يعاني فقط من سوء التدبير، بل من بنية هيكلية تُفضّل شبكات النفوذ على الكفاءة، والاحتكار على التنافس، والمصالح الضيقة على التنمية الوطنية.
وما دام القرار الاقتصادي محتجزاً داخل دوائر مغلقة، سيبقى المواطن هو الخاسر الأول، وستظل الثروة الوطنية تُعاد صياغتها لتصب في يد الأقلية التي تتحكم في مفاصل الدولة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك