أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
في خطوة مفاجئة تحمل أكثر من رسالة، باشرت مصالح البحث والتحقيق التابعة لـ مجلس المنافسة عمليات تفتيش وحجز متزامنة استهدفت عدداً من الفاعلين في سوق تزويد المستلزمات الطبية على الصعيد الوطني، وذلك على خلفية شبهات تتعلق بممارسات قد تخرق قواعد المنافسة الحرة داخل هذا القطاع الحيوي.
المعطيات الرسمية تفيد بأن هذه التحركات تمت بإذن قضائي من وكيل الملك، وبمواكبة عناصر من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، في إطار مقتضيات المادة 72 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. ويعكس هذا المسار الإجرائي طابعاً قانونياً مضبوطاً لعملية توصف بأنها من بين أقوى أدوات التحري التي يملكها المجلس لجمع الأدلة من عين المكان.
غير أن البلاغ الصادر في الموضوع حرص على التأكيد بأن تنفيذ عمليات الزيارة والحجز لا يعني إقراراً بوجود مخالفات أو تحميل المسؤولية للجهات المعنية، إذ تبقى الكلمة الفصل للهيئات التداولية داخل المجلس بعد استكمال تحقيق معمق يضمن احترام مبدأ المواجهة وحقوق الدفاع. كما تم التشديد على أن هوية الأطراف التي شملتها العمليات ستظل غير معلنة في هذه المرحلة، تفادياً لأي مساس بحقوقها القانونية.
لكن خلف اللغة القانونية المتحفظة، يبرز سؤال جوهري: ماذا يجري داخل سوق حساس يرتبط مباشرة بصحة المواطنين وبالمنظومة الاستشفائية؟ فمجال المستلزمات الطبية ليس قطاعاً عادياً، بل هو شريان أساسي يمد المؤسسات الصحية العمومية والخاصة بما تحتاجه من تجهيزات وأدوات. وأي تلاعب في شروط المنافسة أو تنسيق محتمل للأسعار قد تكون له كلفة مضاعفة، مالياً واجتماعياً.
تحرك مجلس المنافسة، استناداً إلى صلاحياته المخولة بموجب القانون رقم 20.13 المنظم له، يعكس اتجاهاً نحو تشديد الرقابة على القطاعات ذات الطابع الاستراتيجي، خاصة تلك التي عرفت في السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً وارتفاعاً في الطلب. فالمجلس يمتلك، وفق الإطار القانوني المنظم له، أجهزة بحث قادرة على إجراء التحريات المرتبطة بالممارسات المنافية للمنافسة ومراقبة عمليات التركيز الاقتصادي التي قد تخل بتوازن السوق.
عمليات التفتيش الفجائية، كما ينظمها القانون، ليست إجراءً شكلياً، بل وسيلة دقيقة لالتقاط المعطيات والوثائق التي قد تكشف وجود تنسيق غير مشروع أو إخلال بقواعد الشفافية. وهي أداة غالباً ما تُفعّل عندما تتعزز الشبهات بقرائن أولية تستدعي الانتقال من مرحلة الرصد إلى مرحلة التدخل الميداني.
الرسالة التي تخرج من هذه التطورات واضحة: لا أحد فوق قواعد المنافسة، حتى في أكثر القطاعات حساسية. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في فتح التحقيقات، بل في ما ستسفر عنه من قرارات رادعة أو تبرئة قانونية، وفي مدى قدرة المؤسسات على حماية السوق من أي اختلال قد يمس بحقوق المستهلكين وبنزاهة المعاملات. وبين presumption البراءة وصرامة الردع، يبقى الملف مفتوحاً على احتمالات قد تعيد رسم ملامح المنافسة في واحد من أكثر الأسواق حساسية في البلاد.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك