أنتلجنسيا:عبد الله البارودي
بين اضطراب الأسعار العالمية وضغط فاتورة الاستيراد، يعود ملف مصفاة سامير بمدينة المحمدية إلى واجهة الأحداث بعرض استثماري ضخم تقدّر قيمته بنحو 34 مليار درهم، تقدم به مستثمر من دول الخليج، في خطوة قد تعيد رسم خريطة الأمن الطاقي للمملكة إذا كُتب لها النجاح. التطور ليس تفصيلاً مالياً عابراً، بل منعطفاً محتملاً في واحدة من أعقد القضايا الصناعية والاقتصادية في المغرب خلال العقد الأخير.
المقترح الجديد لا يتوقف عند حدود شراء الأصول، بل يتحدث عن خطة شاملة لإعادة تشغيل المصفاة وفق معايير حديثة، تشمل تحديث البنيات التقنية والرفع من كفاءة وحدات التكرير لتواكب المتطلبات الدولية في صناعة النفط. هذا البعد التقني مهم، لأن إعادة الإقلاع لا تعني مجرد فتح الأبواب، بل استعادة القدرة التنافسية في سوق باتت تحكمه الجودة والسرعة والالتزام البيئي.
استراتيجياً، يشكل المشروع رهاناً مباشراً على تقليص التبعية شبه الكاملة للواردات من المواد البترولية المكررة، وهي التبعية التي جعلت المغرب رهينة لتقلبات الأسواق الدولية منذ توقف نشاط المصفاة قبل سنوات. عودة التكرير المحلي قد تمنح البلاد هامش مناورة أكبر في بناء مخزون استراتيجي، وتخفيف الضغط على الميزان التجاري، وتقليص كلفة استيراد المنتجات الجاهزة التي تثقل كاهل الخزينة.
غير أن الطريق إلى إعادة الإحياء ليس معبداً بالنيات الاستثمارية وحدها. فالمصفاة تخضع لمساطر تصفية قضائية معقدة، والملف محاط بإشكالات قانونية تتعلق بالديون والمطالبات والحقوق المتشابكة. أي صفقة محتملة ستظل رهينة قرار القضاء والمساطر الجارية، ما يجعل مستقبل المشروع معلقاً بين الإرادة الاقتصادية ومتطلبات القانون.
تحليلياً، يتجاوز الرهان البعد الصناعي إلى سؤال أعمق حول السيادة الطاقية. فبلد لا يملك قدرة تكرير محلية يظل معرضاً لاهتزازات السوق العالمية، حتى وإن تنوعت مصادر الاستيراد. وفي ظل التحولات الجيوسياسية وعودة الصراعات على سلاسل الإمداد، يصبح امتلاك بنية تكرير وطنية مسألة أمن اقتصادي بامتياز.
لكن التجارب السابقة لمحاولات إنقاذ المصفاة تفرض قدراً من الحذر. فقد طُرحت عروض متعددة في الماضي دون أن ترى النور، إما بسبب تعقيدات قانونية أو غياب توافق حول شروط التفويت. لذلك يبقى السؤال المركزي: هل يشكل عرض 34 مليار درهم بداية فعلية لمرحلة جديدة تعيد المغرب إلى خريطة التكرير الإقليمي، أم أنه سينضم إلى قائمة الوعود المؤجلة؟
في المحصلة، إحياء “سامير” ليس مجرد صفقة استثمارية، بل اختبار لقدرة الدولة على حسم ملف استراتيجي ظل معلقاً لسنوات. بين تقلبات السوق العالمية وتعقيدات القضاء الوطني، يقف المشروع على مفترق طرق: إما استعادة جزء من القرار الطاقي الوطني، أو استمرار الارتهان الكامل لمنطق الاستيراد المفتوح.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك