أنتلجنسيا:أبو فراس
في توقيت لافت، تزامن النشاط الجوي المغربي في أجواء شمال المملكة مع بدء إسبانيا مناورات عسكرية واسعة في قاعدة مالقة ومياه بحر البوران، لتتحول سماء المنطقة إلى فضاء مفتوح لإشارات عسكرية متبادلة، في مشهد يعكس الحساسية الاستراتيجية المتزايدة للمجال الممتد بين جنوب إسبانيا وشمال المغرب.
ففي الوقت الذي دفعت فيه القوات المسلحة الإسبانية بست مقاتلات من طراز F-18 إلى قاعدة مالقة للمشاركة في تفعيل «Eagle Eye 26-03»، الممتد من 21 إلى 25 شتنبر الجاري، شهدت أجواء الحسيمة وسواحل الريف، وفق معطيات إعلامية متداولة، تحليق مقاتلات مغربية من طراز F-16، مع تسجيل أصوات قوية ارتبطت بالتحليق السريع للطائرات في أجواء المنطقة.
ومن الناحية العسكرية، تكتسب هذه المصادفة الزمنية والجغرافية أهمية خاصة، خصوصاً أن المناورة الإسبانية لا تقتصر على طلعات جوية عادية، بل تجمع بين القوات الجوية والبرية والبحرية ضمن منظومة واحدة للدفاع الجوي، وتشمل مقاتلات F-18 في حالة تأهب سريع، ووحدات للدفاع المضاد للطائرات، ومراكز للرصد والقيادة والسيطرة، إلى جانب فرقاطة «مينديز نونيث» التي تشارك في النشاط العملياتي بالمنطقة.
وتقول هيئة أركان الدفاع الإسبانية إن الهدف المعلن من «Eagle Eye 26-03» هو دمج قدرات مختلف فروع القوات المسلحة داخل منظومة الدفاع الجوي الوطني، وتحسين فعالية عمليات الحضور والمراقبة والردع. كما أوضحت أن مقاتلات F-18 الست المشاركة في المناورة تعمل في إطار مهمة «الإنذار بالتدخل السريع»، بما يسمح لها بالتحليق خلال أقل من 15 دقيقة عند رصد مسار جوي غير محدد.
وفي المقابل، فإن ظهور مقاتلات F-16 المغربية في أجواء الحسيمة، في هذا الظرف بالذات، يحمل من منظور عسكري دلالة تتجاوز مجرد حركة جوية اعتيادية، إذا ما تأكد ارتباط التوقيت بسياق المناورات الإسبانية. فالقوة الجوية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات الموجودة في القواعد، وإنما كذلك بسرعة الانتشار والقدرة على التحرك وإظهار الجاهزية في المجالات الحساسة.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة التحليق المغربي باعتباره إشارة ردع ميدانية محتملة، خصوصاً أن شمال المملكة يطل مباشرة على فضاء جغرافي شديد الحساسية، تتداخل فيه حسابات المجال الجوي والبحري والأمن الإقليمي مع وجود إسباني عسكري دائم في الضفة المقابلة.
وإذا كان الجانب الإسباني قد اختار أن يجعل بحر البوران مسرحاً لتدريب متكامل على المراقبة والحضور والردع، فإن ظهور مقاتلات مغربية في أجواء الريف في الفترة نفسها يفرض، عسكرياً، إدخال العامل المغربي في قراءة المشهد، لا باعتباره متفرجاً على ما يجري في محيطه الاستراتيجي، وإنما باعتباره طرفاً يمتلك قدرات جوية يمكنها التحرك في المجال الشمالي للمملكة وإظهار جاهزيتها في وقت قصير.
وتزداد أهمية هذه الإشارة بالنظر إلى طبيعة مقاتلات F-16 التي تشكل أحد المكونات الرئيسية للقوة الجوية الملكية المغربية. فالحضور الجوي ليس مجرد استعراض للقوة، بل يدخل ضمن مفهوم أوسع يرتبط بالجاهزية، والإنذار، والسيطرة على المجال الجوي، والقدرة على إيصال رسالة ردع من خلال الوجود الفعلي في الميدان.
غير أن القراءة العسكرية الدقيقة تقتضي عدم الخلط بين التزامن العملياتي ووجود قرار معلن بالرد. فحتى الآن، لا يتوفر في المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها إعلان مغربي يربط بصورة مباشرة بين تحليق F-16 في الحسيمة وبين المناورة الإسبانية «Eagle Eye 26-03». ولذلك فإن اعتبار التحليق «رداً مغربياً مباشراً» يبقى قراءة عسكرية وسياسية للتزامن، وليس موقفاً رسمياً معلناً من الرباط.
ومع ذلك، فإن الرسالة التي يمكن استخلاصها من المشهد، على مستوى ميزان الحضور العسكري، واضحة: المجال الجوي لشمال المملكة ليس فراغاً عملياتياً، والسواحل المغربية المطلة على المتوسط تقع ضمن مجال استراتيجي تراقبه الرباط كما تراقبه مدريد.
وتكشف المناورة الإسبانية نفسها عن مستوى الجاهزية التي ترغب مدريد في إظهاره في جنوب البلاد؛ فهي لا تعتمد على المقاتلات فقط، بل تجمع الطيران والدفاعات الأرضية والرصد والقيادة والسيطرة والقوة البحرية. وهذا يعني أن إسبانيا تتعامل مع المنطقة باعتبارها فضاءً يتطلب مراقبة مستمرة وقدرة على الاستجابة السريعة.
وفي الجهة المقابلة، فإن التحليق المغربي في أجواء الحسيمة، إذا ما تأكدت تفاصيله العملياتية، يقدم صورة مختلفة للردع: حضور جوي في المجال الشمالي للمملكة، واستعراض للجاهزية في منطقة لا تفصلها سوى مسافة محدودة عن المجال الذي تجري فيه المناورات الإسبانية.
وبذلك، لا تبدو سماء بحر البوران خلال هذه الأيام مجرد مسرح لتدريبات عسكرية منفصلة، بل فضاءً تتقاطع فيه رسائل الحضور والجاهزية والمراقبة بين ضفتي المتوسط. وبين F-18 الإسبانية في مالقة وF-16 المغربية في أجواء الريف، يفرض الموقع الجغرافي نفسه كعامل دائم في الحسابات العسكرية للبلدين.
وفي انتظار أي توضيح رسمي مغربي بشأن طبيعة التحليق وتوقيته ومهمته، يبقى المؤكد أن إسبانيا رفعت مستوى نشاطها العسكري في جنوبها وبحر البوران، وأن تحليق المقاتلات المغربية في شمال المملكة، وفق المعطيات المتداولة، جاء في لحظة شديدة الحساسية من الناحية العسكرية، بما يجعل المشهد مفتوحاً على قراءات متعددة حول مستوى الجاهزية والحضور والردع في الضفتين.
وفي الحسابات العسكرية، قد تكون الطائرة التي تحلق في السماء أهم من الخطاب الذي يرافقها؛ لأنها تحول الجاهزية من مفهوم نظري إلى حضور ميداني يمكن رصده وقياسه. وهنا تحديداً تكمن دلالة المشهد الذي جمع، في التوقيت نفسه تقريباً، بين مناورات إسبانية واسعة في بحر البوران وتحليق مقاتلات مغربية في سماء الريف.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك