أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مشهد صادم يطرح أسئلة محرجة حول حقيقة الشعارات التي ترفعها إسبانيا والاتحاد الأوروبي بشأن حرية الصحافة وحقوق الإنسان، تعرض مراسل جريدة «هبة بريس» لاعتداء مباشر من طرف عناصر تابعة للشرطة الإسبانية أثناء مزاولته لمهامه الصحافية وتغطيته لأوضاع المهاجرين غير النظاميين بمدينة سبتة المحتلة، رغم وضوح صفته المهنية ومعرفة العناصر الأمنية بأنه يؤدي عملا إعلاميا مشروعا.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الصحافي تعرض للدفع والسحب من الملابس والعنف الجسدي خلال قيامه بتوثيق الأحداث ونقل الوقائع من الميدان، في سلوك أثار موجة استياء واسعة واعتبره متابعون انتهاكا خطيرا لحرية العمل الصحافي واعتداء مباشرا على حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومة.
ولا ينظر إلى هذه الواقعة باعتبارها حادثا معزولا أو مجرد تجاوز فردي، بل تأتي في سياق سلسلة من الحوادث التي طالت صحافيين مغاربة خلال تغطيتهم للأحداث المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة. ويستحضر متابعون في هذا الإطار واقعة احتجاز طاقم القناة الثانية المغربية خلال مهمة إعلامية سابقة بالمدينة نفسها، ما يعزز المخاوف من وجود تعامل متشدد ومتكرر مع وسائل الإعلام المغربية العاملة في المنطقة.
وتكتسي الحادثة أبعادا أكبر بالنظر إلى طبيعة الملف الذي كان الصحافي يشتغل عليه، والمتعلق بأوضاع المهاجرين غير النظاميين وما يرافقها من اتهامات متكررة بوجود ممارسات قاسية وسوء معاملة في بعض الحالات. وهو ما يجعل استهداف الصحافي الذي يوثق هذه الوقائع يثير تساؤلات حول الرغبة في الحد من نقل صور ومعطيات قد تضع السلطات الإسبانية في موقف محرج أمام الرأي العام الدولي.
ويعتبر حقوقيون أن الاعتداء على الصحافي لا ينفصل عن الجدل المتواصل بشأن كيفية تدبير ملف الهجرة على الحدود، خاصة أن إسبانيا تقدم نفسها باستمرار كدولة تدافع عن حقوق الإنسان وتحمي حرية التعبير وحرية الإعلام. غير أن ما جرى على الأرض، بحسب منتقدين، يكشف فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية.
كما أثار الحادث تساؤلات حول ما وصفه متابعون بـ"الصمت الانتقائي" لبعض الجهات والمنظمات التي ترفع راية الدفاع عن حرية الصحافة، حيث لم تصدر إلى حدود الآن مواقف بالقوة نفسها التي تصدر عادة في قضايا مشابهة. ويرى كثيرون أن الدفاع عن الصحافيين يجب أن يكون مبدئيا وثابتا، بغض النظر عن جنسية الضحية أو الجهة التي تقف وراء الانتهاك.
ويكتسب الملف حساسية إضافية لكونه وقع بمدينة سبتة المحتلة، التي تشكل موضوع خلاف سياسي وسيادي مستمر، ما يمنح الحادثة بعدا يتجاوز الاعتداء على صحافي إلى نقاش أوسع يتعلق بحرية العمل الإعلامي في منطقة تعرف توترات متكررة مرتبطة بالهجرة والحدود.
وفي ظل خطورة ما جرى، تتصاعد الدعوات إلى فتح تحقيق شفاف ومستقل لتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين في الاعتداء، مع مطالبة الهيئات الصحافية والنقابية والمنظمات الدولية المختصة بحرية الإعلام بالتدخل من أجل ضمان حماية الصحافيين وتمكينهم من أداء مهامهم دون ترهيب أو تضييق أو عنف.
وتبقى هذه الواقعة اختبارا حقيقيا لمدى التزام إسبانيا بالشعارات التي ترفعها حول الديمقراطية وحرية التعبير، لأن احترام الصحافة لا يقاس بالبيانات والخطابات، بل بطريقة التعامل مع الصحافيين عندما يكونون في قلب الأحداث وينقلون الوقائع كما هي.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك