أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
فتح قرار مجلس الأمن رقم 2797 بشأن الصحراء مرحلة جديدة في مسار واحد من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة، بعدما حمل مضامين اعتبرها المغرب تطوراً مهماً في اتجاه تكريس مقترح الحكم الذاتي كإطار أساسي للنقاش السياسي، في وقت أبقى فيه المجلس على مهمة بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “مينورسو” إلى غاية 31 أكتوبر 2026.
وأعاد القرار رسم ملامح المرحلة المقبلة من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا، مع اعتبار مقترح الحكم الذاتي المغربي أساساً للمناقشات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه.
ويكشف هذا التطور أن معركة الصحراء لم تعد مرتبطة فقط بصياغات القرارات السنوية لمجلس الأمن، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرة الأطراف على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مسار سياسي قابل للترجمة على أرض الواقع. فالقرار لم ينهِ مهمة المينورسو، ولم يحسم بشكل نهائي مسألة السيادة، كما أنه لم يفرض حلاً أحادياً على الأطراف، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على مفاوضات جديدة واختبارات دبلوماسية إضافية.
ويفرض هذا السياق على المغرب، وفق قراءة سياسية ممكنة، مواصلة التحرك على أكثر من واجهة بدل التعامل مع القرار باعتباره محطة نهائية. فالدعم الأمريكي يظل عاملاً مهماً في مسار الملف، بينما تحتاج الرباط في الوقت نفسه إلى توسيع شبكة علاقاتها الدولية وتعزيز حضورها الاقتصادي والاستثماري في الأقاليم الجنوبية، بما يجعل التنمية والدبلوماسية الاقتصادية جزءاً من معركة أوسع حول مستقبل المنطقة.
وتبرز الاستثمارات الأجنبية في هذا السياق باعتبارها أحد العناصر التي يمكن أن تعزز الحضور الاقتصادي للمغرب في الصحراء، خصوصاً مع استمرار توسع البنية التحتية والمشاريع المرتبطة بالطاقة واللوجستيك والموانئ. غير أن تحويل هذه المشاريع إلى رافعة دبلوماسية يحتاج إلى مقاربة طويلة المدى، تراعي أيضاً المواقف القانونية والسياسية للدول والشركات والمؤسسات الدولية.
وتطرح العلاقات مع أوروبا بدورها تحدياً مختلفاً، بالنظر إلى الوزن الاقتصادي والتجاري الذي تمثله القارة بالنسبة إلى المغرب. لذلك فإن تنويع الشراكات الاقتصادية نحو الولايات المتحدة وبريطانيا وآسيا وإفريقيا يمكن أن يشكل خياراً استراتيجياً لتوسيع هامش الحركة الاقتصادية، دون أن يعني ذلك بالضرورة القطيعة مع الشريك الأوروبي أو التخلي عن العلاقات التجارية القائمة.
وتؤكد التجربة المرتبطة بالاتفاقيات التجارية والقضائية مع الاتحاد الأوروبي أن ملف الصحراء أصبح حاضراً بشكل متزايد في العلاقات المغربية الأوروبية، وهو ما يجعل تدبير هذه العلاقة محتاجاً إلى موازنة دقيقة بين المصالح الاقتصادية والاعتبارات السياسية والقانونية. ومن ثم، فإن تنويع الشراكات يمكن أن يمنح الرباط مساحة أوسع للمناورة، من دون تحويل العلاقات الاقتصادية إلى مواجهة مفتوحة.
وتكتسب المعركة الإعلامية بدورها أهمية متزايدة، بعدما أصبحت شبكات الإعلام الدولي والمنصات الرقمية جزءاً من الصراع على الرواية السياسية للملف. ويجعل ذلك من تطوير خطاب إعلامي مغربي أكثر حضوراً باللغات الدولية، والاستثمار في الصحافة الدولية والبحث الأكاديمي والتواصل الرقمي، عناصر مؤثرة في شرح الموقف المغربي ومواجهة الروايات المتنافسة حول النزاع.
وتبقى العلاقة مع الولايات المتحدة من أبرز مفاتيح المرحلة المقبلة، خصوصاً أن واشنطن كانت صاحبة موقف واضح منذ إعلان الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2020. غير أن تحويل هذا الدعم إلى تسوية نهائية داخل منظومة الأمم المتحدة يظل مرتبطاً بتطور المفاوضات ومواقف بقية أعضاء مجلس الأمن والأطراف المعنية.
وتشير المعطيات الأممية إلى أن المرحلة المقبلة لن تكون مجرد انتظار للقرار السنوي الجديد، إذ أُجريت خلال 2026 مشاورات داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل المينورسو، كما ارتبط القرار 2797 بمراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة الأممية.
وتبرز أمام المغرب، بناء على ذلك، معادلة دقيقة: البناء على المكاسب الدبلوماسية التي تحققت، مع الاستعداد في الوقت نفسه لاحتمال استمرار المسار الأممي لفترة أطول. فالقرار 2797 يمثل تحولاً مهماً في لغة وموقع مقترح الحكم الذاتي داخل النقاش الأممي، لكنه لا يعني أن النزاع انتهى أو أن المينورسو ستغادر تلقائياً بعد انتهاء ولايتها الحالية.
وتتجه الأنظار بالتالي إلى قدرة الأطراف على استثمار المرحلة الجديدة في إنتاج تسوية سياسية، وسط استمرار المفاوضات التي يرعاها المبعوث الأممي. وبينما يرى المغرب في القرار محطة متقدمة في مسار دفاعه عن مقترح الحكم الذاتي، تؤكد وثائق أممية ومواقف أطراف أخرى أن عناصر الخلاف الأساسية ما تزال قائمة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في اختبار مدى قدرة التحول الدبلوماسي الأخير على الانتقال من مستوى القرارات والمواقف إلى تسوية سياسية نهائية ومتوافق عليها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك