أنتلجنسيا:أبو جاسر
كشفت نتائج بحثية حديثة عن صورة معقدة ومليئة بالتناقضات في نظرة المغاربة إلى الهجرة والتنقل والعلاقات الدولية، حيث يتزايد الانفتاح على فكرة حرية الحركة والعمل عبر الحدود، بالتوازي مع استمرار حلم الهجرة لدى شريحة واسعة من المواطنين، في وقت يصف فيه أغلب المغاربة عبور الحدود بأنه مهمة شاقة ومعقدة، ما يعكس فجوة متنامية بين التطلعات والواقع.
وأظهرت المعطيات الواردة في دراسة "أفروبارومتر" أن غالبية المغاربة تؤمن بأهمية تسهيل التنقل بين الدول من أجل العمل والتجارة، في مؤشر على تصاعد القناعة بأن الانفتاح الإقليمي أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية. غير أن هذا الموقف الإيجابي يصطدم بواقع مختلف تماماً، إذ يعتبر أغلب المستجوبين أن إجراءات التنقل والعبور لا تزال صعبة وتطرح عراقيل كبيرة أمام الراغبين في البحث عن فرص اقتصادية أو مهنية خارج الحدود.
وتعكس هذه النتائج حالة من التوتر بين الرغبة في الانفتاح وبين الإكراهات التي يعيشها المواطنون على أرض الواقع، خصوصاً في ظل استمرار جاذبية الهجرة بالنسبة إلى فئات واسعة من الشباب المغربي. فالتقرير يرصد استمرار التفكير في مغادرة البلاد لدى نسبة مهمة من المغاربة، وهي معطيات تعكس أن حلم البحث عن مستقبل أفضل خارج الوطن ما زال حاضراً بقوة رغم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وتبرز الأرقام أن الرغبة في الهجرة لم تعد مرتبطة حصراً بالفقر أو الهشاشة الاجتماعية، بل أصبحت تعكس أيضاً تحولات عميقة في مستوى التطلعات الفردية والجماعية، حيث ينظر عدد متزايد من الشباب إلى الهجرة باعتبارها بوابة لتحقيق فرص مهنية واجتماعية يصعب الوصول إليها محلياً.
وفي المقابل، تكشف الدراسة عن مفارقة أخرى تتعلق بنظرة المغاربة إلى المهاجرين واللاجئين. فمن جهة، يظهر المجتمع المغربي درجة مهمة من التسامح والانفتاح الاجتماعي تجاه الأجانب، حيث لا يعارض أغلب المواطنين التعايش معهم داخل الأحياء والمجتمعات المحلية. لكن من جهة أخرى، تتراجع مستويات التأييد عندما يتعلق الأمر بالأثر الاقتصادي للهجرة أو بزيادة أعداد الوافدين الباحثين عن العمل، وهو ما يعكس مخاوف مرتبطة بسوق الشغل والقدرة على توفير الفرص الاقتصادية.
كما سلط التقرير الضوء على توجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الانفتاح الكبير للمغاربة على التجارة الدولية. فالغالبية تفضل توسيع العلاقات الاقتصادية مع مختلف دول العالم بدل حصرها في الفضاء الإفريقي أو الإقليمي، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الاندماج في الاقتصاد العالمي. كما أبدى المغاربة دعماً قوياً لمبدأ تحرير التجارة وتسهيل المبادلات الاقتصادية باعتبارها رافعة للنمو والتنمية.
ورغم هذا الانفتاح الاقتصادي، كشفت النتائج ضعفاً واضحاً في المعرفة بالمبادرات الاقتصادية القارية الكبرى، وعلى رأسها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، حيث لا يزال الوعي الشعبي بها محدوداً للغاية، ما يطرح تساؤلات حول فعالية التواصل المؤسساتي بشأن المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية التي تراهن عليها القارة الإفريقية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، سجل التقرير تحولات لافتة في مواقف المغاربة تجاه القوى الدولية الكبرى. فقد تراجعت بشكل ملحوظ الصورة الإيجابية لكل من الولايات المتحدة والصين مقارنة بالسنوات الماضية، بينما حافظ الاتحاد الأوروبي على موقعه كأكثر شريك دولي يحظى بنظرة إيجابية داخل المجتمع المغربي، في مؤشر يعكس استمرار الارتباط التاريخي والاقتصادي بين المغرب والفضاء الأوروبي.
كما أظهرت النتائج تمسكاً قوياً بمبدأ الحياد في القضايا الدولية، خاصة في ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث فضلت أغلبية واسعة من المغاربة أن تحافظ بلادهم على موقف متوازن بعيداً عن الاصطفافات الدولية الحادة، وهو ما يعكس توجهاً عاماً نحو تجنب الانخراط في صراعات المحاور الدولية.
وفي ملف التغيرات المناخية، كشفت الدراسة عن ارتفاع غير مسبوق في مستوى الوعي البيئي لدى المغاربة، حيث تحمل أغلبية المستجوبين الدول الصناعية الكبرى المسؤولية الرئيسية عن تفاقم أزمة المناخ، معتبرين أن القوى الاقتصادية العالمية مطالبة بتحمل النصيب الأكبر من الجهود الرامية إلى مواجهة التحديات البيئية التي تهدد العالم.
وتكشف هذه المؤشرات مجتمعة عن مجتمع مغربي يعيش تحولات عميقة في نظرته إلى العالم والهجرة والاقتصاد والعلاقات الدولية. فبين الرغبة في الانفتاح على الخارج، واستمرار حلم الهجرة، والتشبث بالحياد الدولي، والانشغال المتزايد بالقضايا المناخية، يبدو أن المغاربة يعيدون صياغة أولوياتهم وتصوراتهم في عالم سريع التغير، حيث أصبحت الحدود أقل حضوراً في الأحلام مما هي عليه في الواقع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك