حين كان المغرب ملاذاً للإسبان..حكاية "بو رقعة" من ذاكرة الشمال المغربي

حين كان المغرب ملاذاً للإسبان..حكاية "بو رقعة" من ذاكرة الشمال المغربي
ديكريبتاج / الأحد 20 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

تحمل الذاكرة الشعبية في مدن شمال المغرب روايات متعددة عن مرحلة تاريخية كان فيها العبور بين الضفتين المتوسطيتين جزءاً من واقع اجتماعي فرضته الحروب والأزمات والفقر. ومن بين أكثر التعابير التي بقيت حاضرة في الذاكرة الشعبية عبارة «بو رقعة»، التي ارتبطت، في بعض الروايات المتداولة، بإسبان قدموا إلى مدن الشمال المغربي خلال النصف الأول من القرن العشرين بحثاً عن الأمن والعمل وظروف عيش أفضل.

وتشير الرواية الشعبية إلى أن وصول هؤلاء تزامن مع سنوات مضطربة عرفتها إسبانيا، خصوصاً خلال الحرب الأهلية الإسبانية وما رافقها من اضطرابات سياسية واجتماعية وأزمات اقتصادية، دفعت فئات من السكان إلى البحث عن ملاذات خارج البلاد، وكان شمال المغرب بحكم قربه الجغرافي من جنوب إسبانيا إحدى المناطق التي شهدت حركة عبور واستقرار لأجانب من الضفة الشمالية للمتوسط.

وفي مدن مثل تطوان وطنجة والعرائش والقصر الكبير، تتحدث الذاكرة المحلية عن إسبان عاشوا وسط المجتمع المحلي، واشتغل بعضهم في مهن مختلفة مرتبطة بالبناء والصيانة والزراعة والخدمات، فيما وجد آخرون فرصاً للعمل لدى الأسر، في سياق كانت فيه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين شمال المغرب وإسبانيا أكثر تشابكاً مما قد توحي به القراءة المعاصرة للتاريخ.

أما تسمية «بو رقعة»، فتربطها الرواية الشعبية بالملابس والأحذية التي كان بعض الوافدين يرتدونها، والتي كانت تحمل آثار الفقر والحاجة والترقيع، فتحول هذا المظهر إلى وصف تداولته الألسن داخل المجتمع المغربي. غير أن هذا التفسير يظل، في غياب توثيق تاريخي حاسم، جزءاً من الذاكرة الشفهية التي تحتاج إلى مقارنتها بالمصادر التاريخية والأرشيفية.

وتكشف هذه الحكاية، بصرف النظر عن التفاصيل التي لا تزال بحاجة إلى تحقيق تاريخي، عن حقيقة أوسع تتعلق بتاريخ المنطقة: فالعلاقة بين المغرب والهجرة لم تكن دائماً في اتجاه واحد، كما أن المتوسط لم يكن على مر التاريخ حاجزاً يفصل بين مجتمعاته، بل كان فضاءً للحركة واللجوء والعمل والتبادل.

واليوم، بينما أصبحت أوروبا واحدة من أبرز الوجهات التي يقصدها المهاجرون بحثاً عن الأمن والعمل وتحسين ظروف العيش، تستعيد الذاكرة المغربية صوراً من زمن مختلف، حين كان شمال المملكة يستقبل وافدين من الضفة الأخرى هرباً من الحرب والفقر والاضطرابات.

إن استحضار هذه الصفحات من التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد سجال عابر حول الهجرة، بل إلى فرصة للتذكير بأن موازين الحاجة والهجرة تتغير مع الزمن، وأن ما يبدو ثابتاً في حاضرنا قد يكون مختلفاً تماماً في صفحات التاريخ.

فالأيام دول، والضفتان اللتان تفصل بينهما مياه المتوسط جمعتهما، على امتداد قرون، قصص إنسانية تتجاوز الحدود والجغرافيا، وتؤكد أن الهجرة ليست ظاهرة وليدة اليوم، وأن ذاكرة الشعوب كثيراً ما تحتفظ بأدوار متبادلة بين من كان يبحث عن الملاذ ومن كان يفتح أبوابه.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك