أنتلجنسيا:أبو جاسر
كلما اقترب موعد الحسم الانتخابي، يستعيد عبد الإله بنكيران لغته الشعبوية، ويضع نفسه وحزب العدالة والتنمية في موقع الطرف الذي يقدم نفسه باعتباره البديل القادر على "إنقاذ" البلاد من اختيارات الحكومة الحالية، في خطاب انتخابي مكثف يعتمد على استحضار الغلاء والفساد وتضارب المصالح والهجرة واحتجاجات الشباب، بينما تعود في المقابل إلى الواجهة أسئلة أكثر إزعاجاً تتعلق بماضي الحزب نفسه عندما كان في موقع تدبير الحكومة واتخاذ القرارات.
وقبل أيام قليلة من انتخابات 23 شتنبر 2026، رفع بنكيران من سقف خطابه السياسي، داعياً المغاربة إلى التصويت على «المصباح» لإنقاذ البلد من حكومة عزيز أخنوش، ومحملاً الحكومة الحالية مسؤولية مجموعة من الأزمات والاحتجاجات والهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية.
غير أن هذا الخطاب يفتح، في المقابل، الباب أمام سؤال لا يمكن تجاوزه انتخابياً:ماذا عن مرحلة العدالة والتنمية في الحكم؟ فالحزب قاد الحكومة المغربية لولايتين متتاليتين بين 2011 و2021، الأولى برئاسة بنكيران والثانية برئاسة سعد الدين العثماني، قبل أن يتلقى هزيمة كبيرة في انتخابات 8 شتنبر 2021 وينتقل إلى المعارضة.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات السياسية حساسية في خطاب بنكيران الحالي. فالرجل الذي يقدم نفسه اليوم في موقع المعارض الشرس للحكومة، سبق أن كان على رأس السلطة التنفيذية، واتخذت حكومته قرارات اقتصادية واجتماعية كان لها أثر مباشر على الأسعار والدعم والمالية العمومية.
ومن أبرز الملفات التي ارتبطت بحكومته إصلاح نظام المقاصة وتحرير أسعار المحروقات تدريجياً. وتُظهر المعطيات الرسمية لوزارة الاقتصاد والمالية أن الدعم رُفع نهائياً عن المحروقات السائلة مع بداية سنة 2015، بعد مسار إصلاحي أطلقته الحكومة، بينما استمر الدعم بالنسبة إلى غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني.
ولم يكن القرار مجرد إجراء تقني في دفتر الحسابات العمومية، بل كان جزءاً من سياسة حكومية أثارت في وقتها نقاشاً واسعاً حول انعكاساتها على الأسعار والقدرة الشرائية، في مقابل دفاع الحكومة عن الإصلاح باعتباره ضرورياً لمعالجة كلفة نظام الدعم.
وبنكيران نفسه كان قد ربط ارتفاع أسعار المحروقات سنة 2012 بالعجز الذي عرفه صندوق المقاصة، ودافع عن إصلاح نظام الدعم، مع الحديث آنذاك عن الانتقال نحو دعم نقدي مباشر للفئات الفقيرة.
وبالتالي، فإن استحضار الغلاء اليوم باعتباره عنواناً حصرياً لفشل الحكومة الحالية يواجهه تاريخ سياسي لا يمكن محوه من الذاكرة الانتخابية: فالحزب الذي يقود بنكيران حمل خلال سنوات وجوده في السلطة مسؤولية قرارات اقتصادية صعبة، ودافع عن جزء منها باعتبارها إصلاحات ضرورية، قبل أن يعود اليوم إلى خطاب المعارضة الذي يضع القدرة الشرائية في قلب المعركة السياسية.
المفارقة الثانية أكثر وضوحاً وتتعلق بالتطبيع مع إسرائيل. فبنكيران يقدّم في خطاب العدالة والتنمية الحالي موقف الحزب الرافض للتطبيع باعتباره جزءاً من هويته السياسية، لكن الذاكرة الحكومية تحمل واقعة موثقة لا يمكن تجاوزها بسهولة: اتفاق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية وُقّع في ديسمبر 2020 من طرف سعد الدين العثماني، الذي كان حينها رئيساً للحكومة وأميناً عاماً لحزب العدالة والتنمية.
والعثماني نفسه دافع آنذاك عن توقيعه، مؤكداً أن الحزب لا يمكن أن يدخل في تناقض مع اختيارات الدولة وتوجهات الملك، باعتباره رئيس الدولة والمسؤول دستورياً عن تدبير العلاقات الخارجية.
وهنا تصبح المسألة أبعد من مجرد خلاف في المواقف الانتخابية؛ إذ يجد الحزب نفسه أمام إرث حكومي سابق يفرض عليه شرح الفارق بين خطابه الحالي وممارسته عندما كان جزءاً من السلطة التنفيذية.
فالحزب الذي يرفع اليوم شعار مواجهة التطبيع لا يستطيع، سياسياً وتاريخياً، أن يتعامل مع توقيع أمينه العام ورئيس الحكومة آنذاك للاتفاق وكأنه واقعة تخص طرفاً سياسياً آخر.
صحيح أن العثماني برر موقفه آنذاك باختيارات الدولة وبالاختصاصات الدستورية للملك في السياسة الخارجية، لكن الواقعة نفسها تظل جزءاً من سجل العدالة والتنمية في الحكومة.
وهذه ليست المفارقة الوحيدة التي تلاحق بنكيران وحزبه في عودته الانتخابية. فخطابه الحالي يستند بدرجة كبيرة إلى شخصيته وحضوره المباشر، وإلى لغة شعبية تقوم على مخاطبة الناخبين من خلال مفردات «المعقول»، و«الإنقاذ»، و«الفساد»، و«الخطر على أموال المواطنين»، وهي ظاهرة لاحظها تحليل حديث لمركز الجزيرة للدراسات، الذي اعتبر أن بنكيران يحول حضوره الشخصي وشهرته السياسية إلى رأسمال انتخابي، مع تركيز واضح على شخصنة المنافسة والهجوم على خصومه السياسيين.
وبذلك، لا يخوض بنكيران انتخابات 2026 باعتباره مجرد أمين عام لحزب سياسي، وإنما باعتباره الشخصية المركزية في حملة «المصباح»، مستفيداً من أسلوب خطابي يعتمد على الحضور الجماهيري المباشر واللغة العاطفية والاشتباك الصريح مع الخصوم، وهي كلها عوامل تحميل بشكل واضح على شعبوية الرجل وعدم قدرته على إنتاج خطاب أو برنامج انتخابي علمي وسياسي.
لكن هذا الأسلوب يضعه في الوقت نفسه أمام اختبار الذاكرة السياسية.
فالمغربي الذي يسمع اليوم خطاباً عن الغلاء والقدرة الشرائية يمكنه أن يعود إلى سنوات حكومة بنكيران ليتذكر إصلاح المقاصة ورفع الدعم عن المحروقات.
والذي يسمع خطاباً رافضاً للتطبيع يستطيع أن يستحضر توقيع سعد الدين العثماني، باسم الحكومة المغربية، اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل سنة 2020.
والأهم من ذلك أن بنكيران نفسه يعيد تقديم العدالة والتنمية باعتباره الحزب القادر على العودة إلى الحكومة، بعدما كان الحزب قد انتقل من تصدر انتخابات 2011 و2016 إلى المرتبة الثامنة في انتخابات 2021، بحصوله على 13 مقعداً وفق النتائج المعلنة آنذاك، بعد أن كان قد حصل على 125 مقعداً في انتخابات 2016.
وتزداد حدة الخطاب الشعبوي كلما اقترب يوم الاقتراع. فبنكيران لا يكتفي بالدعوة إلى التصويت لحزبه، بل يقدم المعركة باعتبارها لحظة فاصلة بين ما يسميه «المعقول» وبين ما يعتبره فساداً وتضارباً للمصالح، ويحمّل الناخب مسؤولية الاختيار بين الطرفين. وفي خطابه الأخير بالعيون، ربط بشكل مباشر بين قرار المواطن يوم 23 شتنبر وبين حماية الميزانية والأسر والتعليم وفرص العمل، في ابتزاز واضح الناخبين.
غير أن أخطر ما في هذه اللغة، سياسياً، ليس ارتفاع سقفها، وإنما انتقالها من مجرد وعد انتخابي إلى بناء توقع مسبق بشأن نتيجة الاقتراع.
فحين يقدم بنكيران عودة العدالة والتنمية إلى الحكومة كخيار متوقع، فإن أي نتيجة مغايرة ستفتح بطبيعة الحال باباً واسعاً للنقاش حول تفسيرها، وهنا بالضبط الخطورة حيث يبتز بنكيران الدولة ويضغط عليها بطريقة عدوانية...
ومن هنا تكتسب عبارات بنكيران المتكررة حول تصدر حزبه الانتخابات أهمية خاصة. فإذا كان الفوز الانتخابي هو المعيار الذي يبني عليه خطابه السياسي، فإن المؤسسات الانتخابية ونتائج صناديق الاقتراع هي وحدها التي يمكن أن تحسم موقع الحزب في الخريطة السياسية الجديدة، وليس الخطاب الانتخابي ولا حجم التجمعات الجماهيرية، التي يتغنى بها الرجل.
واللافت أن بنكيران سبق أن استخدم لغة مشابهة في حملات انتخابية سابقة؛ ففي 2016، عندما كان رئيساً للحكومة وأميناً عاماً للحزب، عبّر عن تفاؤله بتصدر الانتخابات، وقدم أداء حكومته باعتباره سبباً في استمرار ثقة المواطنين بالحزب، ما يفضح محاولات توجهات بنكيران الشعبوية.
اليوم، وبعد خمس سنوات فقط من الانهيار الانتخابي الكبير للعدالة والتنمية، يحاول بنكيران إعادة بناء صورة الحزب باعتباره القوة التي تستطيع العودة إلى الحكومة. وبين خطاب «الإنقاذ» وذاكرة عشر سنوات من التدبير الحكومي، يجد الناخب المغربي نفسه أمام معادلة سياسية مختلفة: حزب يقدم نفسه باعتباره بديلاً للحكومة الحالية، لكنه مطالب في الوقت نفسه بتقديم حصيلة واضحة عن القرارات التي اتخذها عندما كان هو نفسه في موقع المسؤولية.
وفي النهاية، فإن المعركة التي يخوضها بنكيران في انتخابات 23 شتنبر 2026 لا تدور فقط حول أخنوش وحكومته، بل تدور أيضاً حول الذاكرة السياسية للمغاربة: ماذا يتذكرون من تجربة العدالة والتنمية في الحكم، وماذا يصدقون من الوعود الجديدة، وكيف يقارنون بين خطاب المعارضة اليوم والقرارات التي اتخذها الحزب عندما كان يمتلك مفاتيح السلطة التنفيذية.
وهنا تحديداً يكمن الاختبار الحقيقي للخطاب البنكراني، فليس في قدرته على رفع سقف الشعارات، وإنما في قدرته على الإجابة عن الأسئلة التي تفرضها سنوات الحكم نفسها، من المقاصة والأسعار إلى التطبيع والعلاقة بين الخطاب الانتخابي ومسؤولية التدبير، ثم ترك الكلمة الأخيرة لصندوق الاقتراع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك