تقارير تفتيش تفجّر فضيحة ريع كراء الممتلكات الجماعية وتضع منتخبين كبارا في مرمى القضاء

تقارير تفتيش تفجّر فضيحة ريع كراء الممتلكات الجماعية وتضع منتخبين كبارا في مرمى القضاء
ديكريبتاج / الأربعاء 28 يناير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الله البارودي

فجّرت معطيات صادمة، تسربت من تقارير حديثة صادرة عن لجان تفتيش تابعة للمجالس الجهوية للحسابات بعدد من الجهات الكبرى، واحدة من أخطر قضايا تدبير المال العام على المستوى المحلي، بعدما كشفت عن شبكة اختلالات عميقة في كراء واستغلال ممتلكات ومرافق جماعية، تورط فيها رؤساء جماعات ومنتخبون نافذون، وسط شبهات تلاعب ممنهج وريع منظم استنزف خزائن الجماعات لسنوات طويلة.

وحسب ما رشح من هذه التقارير، فإن الأمر لا يتعلق بخروقات إدارية معزولة أو أخطاء تقنية عابرة، بل بمنظومة متكاملة استغلت الملك الجماعي الخاص، من عقارات وأراضٍ وأسواق أسبوعية ومجازر ومواقف، عبر صفقات كراء وُصفت بأنها مفصلة على المقاس، استفادت منها شبكات محدودة مرتبطة بمنتخبين وبرلمانيين، غالبا عبر شركات وواجهات “صورية” تخفي المستفيد الحقيقي.

المعطيات نفسها تشير إلى أن لهجة التقارير الجديدة توحي بتحول نوعي في منطق المحاسبة، إذ لم يعد الأمر محصورا في تفعيل مقتضيات العزل المنصوص عليها في القانون التنظيمي للجماعات، بل اتجه نحو التلويح بإحالة ملفات محددة على القضاء، بعدما تبيّن أن بعض الأفعال المرصودة تندرج ضمن جرائم يعاقب عليها القانون الجنائي، من تبديد للمال العام واستغلال النفوذ وتزوير المنافسة.

وفي أقاليم بعينها، خاصة بضواحي الدار البيضاء، كشفت التحقيقات عن سيطرة “لوبي” واحد على صفقات كراء مرافق جماعية استراتيجية، حيث جرى تفصيل طلبات العروض بشكل يسمح لشركات متعددة، تعود في الواقع لشخص أو مجموعة واحدة، بالفوز بها شكليا، في حين كانت الأرباح الحقيقية تُقسم بين منتخبين نافذين، بمباركة رؤساء جماعات سهّلوا المساطر وغضّوا الطرف عن كل الخروقات.

ولم تتوقف أساليب التحايل عند هذا الحد، بل رصد قضاة الحسابات لجوء منتخبين إلى تسجيل عقود الكراء بأسماء أقاربهم أو معارفهم، في محاولة للالتفاف على قواعد تضارب المصالح، مستغلين ضعف المراقبة وتواطؤ بعض الأجهزة المحلية، وهو ما أكدته مراسلات وملتمسات رفعتها أطراف معارضة داخل المجالس نفسها إلى السلطات الوصية.

النتيجة، وفق التقارير، كانت كارثية على مالية الجماعات، حيث ضاعت مداخيل مهمة بسبب تهرب المستفيدين من أداء واجبات الكراء، أو بسبب تطبيق سوم كِرائية هزيلة لم تُراجع منذ سنوات طويلة، في خرق صريح للقوانين الجاري بها العمل. وفي بعض الجماعات القروية، لم تتجاوز أثمنة كراء محلات تجارية عمومية عشرات الدراهم شهريا، في مشهد يعكس حجم العبث وغياب أي إرادة حقيقية لحماية المال العام.

الأخطر من ذلك أن بعض الرؤساء والمنتخبين، حسب المعطيات نفسها، امتنعوا عمدا عن تفعيل مساطر فسخ العقود في حق المتقاعسين عن الأداء، ليس جهلا بالقانون، بل مراعاة لحسابات انتخابية ضيقة، ما حوّل الملك الجماعي إلى أداة للزبونية وشراء الولاءات.

وتتحدث المصادر عن تطور هذه الممارسات إلى مستويات أخطر، وصلت حد ابتزاز بعض رؤساء المجالس، أو إغراء آخرين بتمويل حملاتهم الانتخابية، مقابل استمرار غضّ الطرف عن ريع الأكرية الجماعية، والتحكم في تشكيل التحالفات داخل المجالس المنتخبة.

كل هذه الوقائع، التي وثقتها تقارير قضاة الحسابات بالأرقام والوقائع، تضع ملف تدبير الممتلكات الجماعية أمام لحظة حاسمة، وتطرح أسئلة ثقيلة حول جدية الدولة في الانتقال من منطق التغاضي إلى منطق المحاسبة الصارمة، خاصة وأن الرأي العام بات ينظر إلى ريع الجماعات باعتباره أحد أخطر أشكال نهب المال العام المقنّع، الذي يُدار باسم القانون ويُحمى بالنفوذ السياسي.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك