أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
لم يكن خطاب العرش بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش مجرد استعراض لحصيلة الإنجازات أو مناسبة بروتوكولية للاحتفاء بالمكتسبات، بل جاء أقرب إلى إعلان سياسي واستراتيجي شامل، حمل رسائل واضحة إلى الداخل والخارج، وإلى الأحزاب والحكومة المقبلة، بل وحتى إلى المشككين في قدرة المغرب على مواصلة صعوده وسط عالم يزداد اضطراباً وتعقيداً.
أبرز ما ميز الخطاب هو الإصرار الملكي على ترسيخ معادلة "الثقة بدل الإحباط"، حيث اختار الملك مواجهة الخطابات السوداوية بشكل مباشر، مؤكداً أن المغرب يوجد في "مرحلة فاصلة" من مساره التنموي، وأن الرهان اليوم ليس على اجترار الأزمات، بل على تعزيز الثقة في المؤسسات والقدرة الجماعية على تحقيق مزيد من التقدم.
وهي رسالة سياسية واضحة موجهة إلى كل من يحاول اختزال المشهد الوطني في منطق الفشل أو التشكيك في جدوى الإصلاحات الكبرى.
كما وضع الملك الاستقرار في صدارة أولويات المرحلة، معتبراً إياه الثروة الحقيقية التي يملكها المغرب في محيط إقليمي ودولي مضطرب.
ولم يكن هذا التشديد مجرد توصيف للواقع، بل رسالة ضمنية تؤكد أن الحفاظ على الأمن والمؤسسات القوية أصبح شرطاً أساسياً لاستمرار التنمية وجذب الاستثمارات وتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً.
وعلى المستوى الاقتصادي، بدا الخطاب بمثابة إعلان رسمي عن دخول المغرب مرحلة جديدة من التموقع الصناعي والتكنولوجي.
فالملك لم يكتف بالحديث عن نسب النمو أو المؤشرات الإيجابية، بل ركز على قطاعات استراتيجية مثل صناعة السيارات والطيران والبطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والصناعات الدفاعية والأمن السيبراني، في إشارة واضحة إلى أن المملكة تراهن على الصناعات ذات القيمة المضافة العالية لبناء اقتصاد أكثر قوة واستقلالية.
ومن بين أقوى الرسائل التي حملها الخطاب تأكيد الملك على أن المغرب لم يعد مجرد سوق استهلاكية أو اقتصاداً تابعاً، بل أصبح قوة صناعية إفريقية صاعدة.
وعندما أبرز أن المملكة أصبحت أول مصدر للسيارات في إفريقيا وأن صادرات السيارات والطيران تجاوزت صادرات الفوسفاط، فإنه كان يعلن عملياً عن تحول عميق في البنية الاقتصادية المغربية وعن نجاح خيار التصنيع الذي راهن عليه منذ سنوات.
وفي الجانب الاجتماعي، حرص الملك على التأكيد أن التنمية الاقتصادية لا يمكن أن تنفصل عن العدالة الاجتماعية والمجالية، داعياً إلى تسريع تنزيل برامج التنمية الترابية والحماية الاجتماعية وتحسين ظروف عيش المواطنين في مختلف الجهات.
وهي رسالة تعكس إدراك المؤسسة الملكية، بأن قوة الأرقام الاقتصادية وحدها لا تكفي إذا لم تنعكس بشكل ملموس على حياة المواطنين.
ولعل أكثر الإشارات السياسية أهمية في الخطاب كانت تلك المرتبطة بالانتخابات التشريعية المقبلة.
فالملك تحدث بشكل صريح عن مرحلة ما بعد انتخابات 2026، وعن انتظار انبثاق حكومة جديدة تقود "دورة جديدة" من التنمية، وهو ما يمكن قراءته كدعوة مبكرة إلى الأحزاب السياسية للاستعداد لاستحقاقات حاسمة سيكون معيارها الأساسي القدرة على حماية المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى بدل الدخول في صراعات سياسية عقيمة.
كما حمل الخطاب رسالة قوية إلى القطاع المالي والبنكي، حيث دعا المؤسسات المالية إلى لعب دور أكبر في تمويل الاستثمار والمقاولات والابتكار، في إشارة إلى أن الدولة لم تعد تريد الاكتفاء بالتمويل العمومي، بل تسعى إلى تعبئة كل الإمكانات الوطنية لخدمة مشروع المغرب الصاعد.
أما خارجياً، فقد أكد الملك أن المغرب بات شريكاً دولياً موثوقاً ومطلوباً، وأن المملكة أصبحت تتعامل مع شركائها من موقع الثقة والندية، مع مواصلة سياسة تنويع الشراكات والانفتاح على آفاق جديدة.
وهي رسالة تعكس قناعة رسمية بأن المغرب نجح في تعزيز مكانته الدولية وأصبح رقماً صعباً في معادلات التعاون الاقتصادي والسياسي الإقليمي والدولي.
في المحصلة، يمكن اعتبار خطاب العرش لسنة 2026، وعلى الأقل نظريا، خطاباً للثقة والحسم والاستمرارية.
فقد أراد الملك محمد السادس أن يبعث برسالة مركزية مفادها أن المغرب اختار طريق الصعود ولن يتراجع عنه، وأن السنوات المقبلة ستكون سنوات ترسيخ السيادة الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية، مع مواصلة الإصلاحات الاجتماعية وتعزيز الاستقرار، استعداداً لمرحلة جديدة ستتشكل ملامحها مع الانتخابات المقبلة والحكومة التي ستنبثق عنها.
إنها رسالة تقول بوضوح إن المملكة لا تنظر إلى الوراء، بل تستعد لمرحلة أكثر طموحاً في تاريخها الحديث.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك