أنتلجنسيا:أبو جاسر
في وقت يواجه فيه ملايين الجزائريين تحديات معيشية واقتصادية متزايدة، تواصل السلطة في الجزائر ضخ أرقام قياسية في ميزانية الدفاع، في مسار يصفه مراقبون بأنه أحد أكبر سباقات التسلح في المنطقة المغاربية، وسط تصاعد التوتر مع المغرب وتراجع الأولوية الممنوحة لقطاعات اجتماعية حيوية يحتاجها المواطن بشكل يومي.
وكشفت مجلة لوبوان الفرنسية أن الجزائر سجلت قفزة غير مسبوقة في إنفاقها العسكري خلال السنوات الأخيرة، بعدما ارتفعت ميزانية الدفاع من 9.1 مليارات دولار سنة 2022 إلى أكثر من 25 مليار دولار سنة 2025، وهو تطور جعل البلاد تستحوذ على ما يقارب نصف الإنفاق العسكري الإجمالي في القارة الإفريقية.
واستناداً إلى معطيات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، أصبحت الجزائر من بين أكثر دول العالم إنفاقاً على التسلح مقارنة بحجم اقتصادها، حيث بلغت النفقات العسكرية ما يقارب 8.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما استحوذت ميزانية الدفاع على ربع الإنفاق العمومي تقريباً، في أرقام تعكس حجم الرهان الذي تضعه السلطة على المؤسسة العسكرية.
وأثار هذا الارتفاع المتسارع استغراب عدد من الخبراء الدوليين، خاصة أن الجزائر ليست منخرطة في حرب مفتوحة، ورغم ذلك تحتل مراتب متقدمة عالمياً في الإنفاق العسكري، متجاوزة دولاً تعيش نزاعات مسلحة مباشرة أو أزمات أمنية حادة.
ويربط محللون هذا المسار بتصاعد التوتر السياسي والإقليمي مع المغرب، حيث تحوّل ملف الصحراء والعلاقات المقطوعة بين البلدين إلى أحد أبرز محركات سباق التسلح في المنطقة. فكلما عزز المغرب قدراته الدفاعية، سارعت الجزائر إلى ضخ اعتمادات أكبر في ميزانية الجيش، ما أدى إلى اتساع الفجوة المالية بين البلدين في المجال العسكري.
ورغم أن المغرب يواصل بدوره تحديث ترسانته الدفاعية، فإن الأرقام المتداولة تظهر أن الإنفاق العسكري الجزائري يفوق نظيره المغربي بحوالي أربعة أضعاف، ما يجعل الجزائر اللاعب الأكثر إنفاقاً في شمال إفريقيا بفارق كبير عن باقي دول المنطقة.
غير أن هذا السباق العسكري يثير في المقابل تساؤلات داخلية متزايدة حول الأولويات الحقيقية للدولة الجزائرية، خصوصاً في ظل استمرار مشاكل البطالة وغلاء المعيشة وأزمة السكن وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى التحديات المرتبطة بالخدمات الصحية والتعليمية والبنيات الاجتماعية.
وتشير المعطيات إلى أن ميزانية الدفاع الجزائرية تتجاوز بفارق واسع الاعتمادات المخصصة لقطاعات أساسية تمس الحياة اليومية للمواطنين، حيث تفوق النفقات العسكرية ميزانيات الصحة والتعليم مجتمعة في بعض السنوات، وهو ما يغذي النقاش حول جدوى هذه الخيارات في ظرفية اقتصادية واجتماعية معقدة.
كما يرى متابعون أن الرئيس عبد المجيد تبون جعل من تعزيز المؤسسة العسكرية أحد المرتكزات الرئيسية لعهده السياسي، في سياق إقليمي متوتر وتحديات داخلية متشابكة، الأمر الذي ساهم في تضخم غير مسبوق لميزانية الدفاع منذ وصوله إلى الحكم.
وبينما تبرر السلطات الجزائرية هذه النفقات بالحاجة إلى مواجهة التهديدات الإقليمية وتأمين الحدود ومواكبة الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، يعتبر منتقدون أن المواطن الجزائري لا يلمس انعكاساً مباشراً لهذه المليارات على حياته اليومية، في وقت تتزايد فيه المطالب بتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص الشغل والرفع من مستوى التنمية الاجتماعية.
ومع استمرار التوتر مع المغرب وغياب أي مؤشرات على انفراج سياسي قريب بين الجارين، يبدو أن سباق التسلح مرشح لمزيد من التصعيد، فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً داخل الأوساط المتابعة: إلى متى ستواصل الجزائر تخصيص عشرات المليارات للسلاح بينما تستمر المطالب الاجتماعية والاقتصادية في التراكم داخل الشارع؟
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك