ولادة الجهادي المغربي

ولادة الجهادي المغربي
ديكريبتاج / الإثنين 01 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

مقدمة

تعتبر ظاهرة الجهادي المغربي واحدة من أكثر القضايا تعقيدا في الحقل السياسي والاجتماعي المغربي المعاصر. فهي ليست مجرد انحراف سلوكي أو أمني عابر، بل هي نتاج صيرورة تاريخية وتفاعلات سوسيولوجية عميقة تداخل فيها المحلي بالدولي. لقد شكلت مرحلة الثمانينيات من القرن الماضي الرحم الذي تشكلت فيه النواة الأولى لهذا الفاعل الراديكالي، في ظل سياق عالمي اتسم بصعود الصحوة الإسلامية وتراجع الإيديولوجيات الكبرى.

تطرح هذه الدراسة إشكالية مركزية تتمحور حول كيفية تحول الشاب المغربي من فضاء التدين التقليدي أو الهامش الاجتماعي إلى الانخراط في مشاريع قتالية عابرة للحدود. وتفترض الدراسة أن الولادة لم تكن فجائية، بل كانت نتيجة تراكم للمظلوميات وأزمة في الهوية وتغلغل لخطابات مشرقية وجدت في البيئة المغربية تربة خصبة للنمو. سنعتمد في هذا البحث على مقاربة تزاوج بين التاريخ الراهن والسوسيولوجيا السياسية لتفكيك هذه الظاهرة في مختلف تجلياتها.

الإطار النظري والمفاهيمي للدراسة 

لا يمكن مقاربة ظاهرة السلفية الجهادية في المغرب دون الانطلاق من ضبط المفاهيم الأساسية المؤطرة لها، لأن جزءا كبيرا من الالتباس الذي يطبع الكتابات الإعلامية وحتى بعض الدراسات الأكاديمية يعود إلى الخلط بين السلفية باعتبارها مرجعية دينية واسعة ومتعددة الاتجاهات، وبين السلفية الجهادية بوصفها أحد تمظهراتها الفكرية والسياسية المعاصرة. فالسلفية في أصلها التاريخي والفكري تقوم على الدعوة إلى العودة إلى النصوص المؤسسة للإسلام، أي القرآن الكريم والسنة النبوية، وفهمهما وفق ما كان عليه الجيل الأول من المسلمين الذين يطلق عليهم في الأدبيات الإسلامية اسم السلف الصالح. وقد عرفت السلفية داخل المغرب مسارات متعددة ومتباينة فمنها السلفية الوطنية الإصلاحية التي ارتبطت بالحركة الوطنية المغربية وساهمت في مقاومة الاستعمار والدفاع عن الهوية الدينية والثقافية للمجتمع، ومنها السلفية ذات التأثير الوهابي التي انتقلت إلى المغرب عبر قنوات متعددة، خاصة مع توسع التواصل الديني والفكري مع المشرق العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

غير أن السلفية الجهادية تمثل تطوراً مختلفاً داخل هذا الحقل الفكري، إذ تقوم على إعادة تأويل مفهوم الجهاد وتحويله من مفهوم فقهي تقليدي ارتبط تاريخيا بشروط وضوابط محددة وبسلطة الدولة أو الجماعة السياسية الشرعية، إلى أداة للتغيير السياسي والاجتماعي عبر استخدام العنف المسلح ضد الأنظمة القائمة وضد كل من ينظر إليهم باعتبارهم خصوما للمشروع الإسلامي. وقد ساهمت كتابات عدد من المنظرين الإسلاميين المعاصرين، وعلى رأسهم سيد قطب، في بلورة تصور جديد للعلاقة بين الدين والسياسة، حيث أعيد إحياء مفاهيم مثل الجاهلية والحاكمية والصراع الشامل بين الإسلام والأنظمة السياسية الحديثة، الأمر الذي وفر أرضية فكرية استفادت منها الحركات الجهادية اللاحقة في بناء خطابها الجهادي.

وفي هذا السياق يبرز مفهوم الراديكالية باعتباره أحد المفاهيم المركزية لفهم مسار التحول نحو العنف. فالراديكالية لا تشير بالضرورة إلى التدين أو الالتزام الديني، وإنما تصف عملية اجتماعية ونفسية وفكرية يتبنى خلالها الفرد أو الجماعة مواقف متطرفة ترفض القواعد السائدة للمجتمع وتعتبر العنف وسيلة مشروعة لتحقيق التغيير. ومن ثم فإن الراديكالية ليست نتيجة حتمية للتدين، كما أن التدين لا يقود بالضرورة إلى التطرف، بل إن العديد من الدراسات المعاصرة تشير إلى أن ما يحدث في حالات كثيرة هو انتقال من وضعية الإحباط الاجتماعي والسياسي إلى البحث عن إطار تفسيري يمنح معنى للمعاناة الفردية والجماعية، فيتم اما التقاطع مع حالة جهادية ذات حمولة دينية او التقاطع مع حالة سياسية راديكالية. ومن هذا المنظور يمكن الحديث عن تدين راديكالي أكثر من الحديث عن راديكالية دينية خالصة، لأن العامل الديني غالبا ما يتداخل مع عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية وسياسية أكثر تعقيدا.

ويستدعي فهم تشكل الجهادي المغربي الاستفادة من عدد من المقاربات النظرية التي حاولت تفسير ظاهرة التطرف العنيف في سياقات مختلفة. ومن أبرز هذه المقاربات نظرية الحرمان النسبي التي تؤكد أن الشعور بالظلم والإقصاء لا يرتبط بالضرورة بمستوى الفقر أو الحرمان المادي المطلق، وإنما ينشأ أساسا من المقارنة بين ما يتوقعه الأفراد لأنفسهم وما يستطيعون تحقيقه فعليا داخل المجتمع. فخلال الثمانينيات والتسعينيات عرف المغرب تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة رافقتها أزمة تشغيل وتراجع في فرص الاندماج الاجتماعي، خاصة بالنسبة لفئات واسعة من الشباب المتعلم وخريجي الجامعات. وقد أدى التناقض بين الطموحات المرتفعة والواقع المحدود إلى إنتاج شعور متنام بالإحباط وفقدان الثقة في إمكانيات الترقي الاجتماعي، الأمر الذي جعل بعض الشباب أكثر قابلية لتلقي الخطابات الجهادية التي تقدم تفسيرا شاملا لمعاناتهم وتعدهم بإقامة نظام بديل يقوم على العدالة المطلقة.

كما توفر نظرية أزمة الهوية إطارا تفسيريا مهما لفهم التحولات التي تقود بعض الأفراد إلى الانخراط في التنظيمات الجهادية. فالعولمة والتحولات الثقافية المتسارعة أضعفت لدى كثير من الشباب الإحساس بالانتماء إلى هويات مستقرة وواضحة، وخلقت لديهم شعورا بالضياع والاغتراب. وفي الحالة المغربية يتجلى هذا الأمر أحيانا في التوتر بين الانتماء الوطني المحلي والانتماء إلى فضاء إسلامي عالمي أوسع. فبعض الشباب يجد نفسه عاجزا عن تحقيق الاعتراف الاجتماعي داخل محيطه المباشر، فيلجأ إلى تبني هوية عابرة للحدود تمنحه شعورا بالقوة والانتماء والمعنى. ومن ثم يصبح الانخراط في المشروع الجهادي وسيلة رمزية لإعادة بناء الذات واستعادة الإحساس بالكرامة والفاعلية، خصوصا عندما يشعر الشاب ان مشاريع الاغتراب تحاول الهجوم او تهجم على مشروع الامة هذا الشعور يجعل الشاب ينتمي الى تيار عالمي قضيته هي الدفاع عن الأمة الإسلامية في مواجهة ما يقدم بوصفه عدوانا أو هيمنة خارجية.

إلى جانب ذلك، تبرز المقاربات السوسيولوجية التي تركز على البيئة الاجتماعية الحاضنة للتطرف، حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن بعض الأحياء الهامشية والمجالات الحضرية الفقيرة تشكل فضاءات ملائمة لانتشار الخطابات الراديكالية. ولا يتعلق الأمر بوجود علاقة ميكانيكية بين الفقر والتطرف، وإنما بكون هذه المجالات تعرف غالبا هشاشة اقتصادية وضعفا في الخدمات العمومية وتراجعا في مؤسسات الوساطة الاجتماعية والثقافية. وفي مثل هذه السياقات يشعر جزء من السكان بأنهم خارج دائرة الاهتمام السياسي والمؤسساتي، الأمر الذي يخلق لديهم إحساسا بالاغتراب عن الدولة ومؤسساتها. وقد أظهرت التجربة المغربية أن بعض الأحياء التي عانت من التهميش الاجتماعي أصبحت بيئات أكثر قابلية لاستقبال الخطابات المتشددة التي توفر لأتباعها شعورا بالانتماء والتضامن الجماعي وتقدم لهم تفسيرا لمختلف مظاهر الظلم والإقصاء التي يعيشونها.

إن ولادة الجهادي المغربي لا يمكن تفسيرها بعامل واحد أو سبب منفرد، بل هي نتيجة تفاعل مركب بين عوامل فكرية واجتماعية وسياسية ونفسية وثقافية متداخلة. فالفرد لا يتحول إلى فاعل جهادي لمجرد تبنيه أفكارا دينية ، كما أنه لا ينخرط في العنف فقط بسبب الفقر أو التهميش، وإنما يحدث ذلك عادة عندما تتقاطع أزمة الهوية مع الشعور بالحرمان والإقصاء، وتلتقي هذه العوامل مع خطاب أيديولوجي قادر على تحويل الإحباط الفردي إلى مشروع جماعي يمنح للحياة معنى جديدا ويقدم العنف باعتباره وسيلة مشروعة لتحقيق التغيير واستعادة الكرامة المفقودة. ومن هنا تبرز أهمية المقاربة الشمولية التي تنظر إلى الظاهرة الجهادية باعتبارها نتاجا لمسار اجتماعي وتاريخي معقد، لا مجرد تشدد ديني أو أمني معزول عن سياقه العام.

السياقات الدولية والإقليمية المحفزة (1979-1990) 

لم تكن التحولات التي شهدها المغرب خلال الثمانينيات معزولة عن السياقات الدولية والإقليمية الكبرى التي أعادت تشكيل الوعي السياسي والديني لدى قطاعات واسعة من الشباب المسلم. فقد شكلت سنة 1979 لحظة مفصلية في التاريخ المعاصر للعالم الإسلامي، إذ تزامنت فيها أحداث كبرى كان لها أثر عميق في بناء المخيال الجهادي العالمي، وفي مقدمتها الثورة الإيرانية والحرب السوفياتية في أفغانستان. هذه الأحداث لم تستقبل بوصفها وقائع سياسية بعيدة، بل جرى تأويلها داخل الأوساط الإسلامية باعتبارها مؤشرات على عودة الإسلام إلى ساحة الفعل التاريخي بعد عقود من هيمنة المشاريع القومية واليسارية التي بدت للكثيرين عاجزة عن تحقيق النهضة الموعودة.

فقد أحدثت الثورة الإيرانية صدمة فكرية وسياسية واسعة داخل العالم الإسلامي. ورغم الاختلافات المذهبية العميقة بين التشيع والسنة، فإن الأثر الرمزي للثورة تجاوز هذه الحدود، لأنها قدمت لأول مرة نموذجا معاصرا لحركة دينية استطاعت إسقاط نظام قوي مدعوم من القوى الغربية وإقامة نظام سياسي جديد يستمد شرعيته من المرجعية الإسلامية. بالنسبة إلى كثير من الشباب المغربي المنخرط في الحركات الإسلامية الناشئة انذاك، لم تعد فكرة التغيير الإسلامي مجرد خطاب دعوي أو مشروع أخلاقي، بل أصبحت إمكانية واقعية يمكن تحقيقها على الأرض. لقد ساهم هذا الحدث في تعزيز الإيمان بقدرة الدين على قيادة التحولات السياسية الكبرى، كما غذى النقاشات حول الحاكمية والشرعية والهوية الإسلامية للدولة، وأعاد طرح سؤال العلاقة بين الإسلام والسلطة في سياق اتسم بتراجع الإيديولوجيات المنافسة.

غير أن الحدث الذي ترك الأثر الأعمق في تشكل الجيل الأول من الجهاديين المغاربة كان بلا شك الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي. فقد تحولت أفغانستان خلال الثمانينيات إلى مركز جذب عالمي للشباب المسلم الراغب في المشاركة في ما قدم انذاك باعتباره معركة فاصلة بين الإسلام والشيوعية. ولم يكن هذا التصور وليد التطورات العسكرية وحدها، بل نتاج عملية تعبئة فكرية وإعلامية واسعة النطاق شاركت فيها مؤسسات دينية وشخصيات دعوية وشبكات تضامن عابرة للحدود. وقد لعبت الخطب والمحاضرات المسجلة على أشرطة الكاسيت دورا مركزيا في نقل هذه التعبئة إلى المغرب، حيث انتشرت تسجيلات دعاة بارزين، وعلى رأسهم عبد الله عزام، الذي نجح في تقديم الجهاد الأفغاني باعتباره واجبا دينيا وأخلاقيا يقع على عاتق المسلمين في كل مكان.

أدى هذا الخطاب التعبوي إلى خلق حالة من التماهي الوجداني بين الشباب المغربي والساحة الأفغانية، حيث جرى تصوير المجاهدين بوصفهم رموزا للبطولة والتضحية في مواجهة قوة عظمى تمثل الكفر الشيوعي. ومع مرور الوقت، لم تعد أفغانستان مجرد قضية تضامن مع شعب مسلم يتعرض للاحتلال، بل تحولت إلى فضاء رمزي يتشكل داخله وعي جديد قائم على مركزية الجهاد المسلح باعتباره الوسيلة الأكثر فعالية للدفاع عن الأمة وتغيير الواقع. وهكذا بدأت تتكون شبكات غير رسمية للتجنيد والسفر والدعم اللوجستي، سمحت بوصول أعداد من الشباب المغاربة إلى معسكرات التدريب ومناطق القتال.

غير أن الأثر الحقيقي للتجربة الأفغانية لم يكن عسكريا فقط، بل كان إيديولوجيا وتنظيميا بالدرجة الأولى. فالشباب الذين وصلوا إلى أفغانستان وجدوا أنفسهم داخل بيئة دولية غير مسبوقة جمعت متطوعين من عشرات الجنسيات المختلفة، يحملون خلفيات ثقافية وسياسية متنوعة، لكنهم يتقاسمون رؤية مشتركة تقوم على فكرة الجهاد العالمي. وفي هذا الفضاء الجديد تشكلت علاقات وشبكات عابرة للحدود ربطت المغاربة بمقاتلين ومنظرين وتنظيمات من المشرق العربي واسيا وإفريقيا، الأمر الذي ساهم في نقلهم من دائرة الاهتمامات المحلية الضيقة إلى أفق أممي أوسع.

لقد أنتجت هذه التجربة ما يمكن تسميته بـ(عولمة الوعي الجهادي)، حيث لم يعد الانتماء الوطني أو الخصوصية المحلية يشكلان الإطار المرجعي الأساسي للفعل السياسي والديني، بل حلت محلهما رؤية تعتبر أن قضايا المسلمين في أي مكان من العالم هي قضايا مشتركة تستوجب التعبئة والنصرة والمشاركة المباشرة. ومن هنا بدأت تتبلور ملامح شخصية جديدة داخل الحقل الإسلامي المغربي، هي شخصية (الأفغاني المغربي) الذي عاد إلى بلاده محملا بخبرة قتالية، وشبكات علاقات دولية، وقناعة راسخة بأن الجهاد ليس مجرد تجربة مرتبطة بأفغانستان، بل مشروع عالمي قابل للتوسع والانتقال إلى ساحات أخرى.

وقد شكل هؤلاء العائدون النواة الأولى التي ستسهم لاحقا في نشر الأفكار الجهادية داخل المغرب، سواء عبر النشاط الدعوي أو من خلال بناء شبكات اجتماعية وتنظيمية استلهمت النموذج الذي تشكل في أفغانستان. وبهذا المعنى، لم تكن الحرب الأفغانية مجرد محطة تاريخية عابرة في مسار الجهادية المغربية، بل كانت المدرسة التأسيسية التي أنتجت الجيل الأول من الجهاديين المغاربة وأسست للانتقال من التدين الاحتجاجي المحلي إلى مشروع جهادي ذي أبعاد عابرة للحدود، وهو التحول الذي ستظهر اثاره بوضوح في العقود اللاحقة مع انتقال المقاتلين المغاربة إلى ساحات البوسنة والشيشان والعراق وسوريا وغيرها من بؤر الصراع.

البيئة المحلية المغربية وديناميات الاستقطاب 

لم يكن تشكل الظاهرة الجهادية المغربية نتاج عامل منفرد أو حدث معزول، بل جاء نتيجة تفاعل معقد بين متغيرات اجتماعية وثقافية ودينية وسياسية تبلورت تدريجياً خلال عقد الثمانينيات. ففي الوقت الذي كانت فيه الساحة الدولية تشهد صعود الإسلام السياسي بفعل تأثير الثورة الإيرانية والحرب الأفغانية، كان المجتمع المغربي يعيش بدوره تحولات داخلية عميقة أعادت تشكيل أنماط التدين والهوية والانتماء لدى فئات واسعة من الشباب. وقد لعبت الجامعة المغربية والأحياء الهامشية المتنامية والحقل الديني المتحول أدواراً متداخلة في إنتاج البيئة التي سمحت لاحقاً بظهور أولى النخب الجهادية المغربية.

شكلت الجامعة المغربية خلال الثمانينيات فضاءً مركزياً لإعادة إنتاج الصراعات الإيديولوجية التي عرفها المجتمع المغربي منذ سبعينيات القرن الماضي. فبعد سنوات من الهيمنة اليسارية داخل الحرم الجامعي، خاصة من خلال تنظيمات مثل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب والتيارات الماركسية المختلفة، بدأت موازين القوى تتغير تدريجياً مع تراجع المد اليساري نتيجة الاعتقالات والانقسامات الداخلية وفشل المشاريع الثورية التي كانت تستلهم التجارب الماركسية العالمية. وفي هذا الفراغ الإيديولوجي برزت الحركات الإسلامية باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على استقطاب الأجيال الجديدة من الطلبة.

لم يكن نجاح الإسلاميين داخل الجامعة مرتبطاً فقط بالخطاب الديني، بل اعتمد على آليات تعبئة اجتماعية فعالة. فقد نجحت التنظيمات الإسلامية في بناء شبكات تضامن يومية مع الطلبة الوافدين من القرى والمدن الصغيرة، من خلال توفير المراجع الدراسية والمساعدة في السكن والدعم المادي والتنظيمي. وقد أشار الباحث المغربي عبد الرحيم العطري إلى أن التنظيمات الإسلامية نجحت في تحويل العلاقات الاجتماعية البسيطة إلى قنوات للتنشئة الإيديولوجية، حيث يصبح الانخراط في الجماعة جزءاً من عملية الاندماج الاجتماعي داخل الفضاء الجامعي. ومن خلال هذه الشبكات كانت تتم عملية بناء الهوية الجماعية الجديدة التي تتجاوز الانتماءات المحلية والعائلية لصالح الانتماء إلى "الجماعة الإسلامية".

وفي هذا السياق، تحولت الجامعة إلى ما يشبه المختبر الفكري الذي أنتج النواة الأولى للنخب الإسلامية الراديكالية. فمعظم الأسماء التي ستظهر لاحقاً في الأدبيات السلفية الجهادية المغربية مرت عبر التجربة الجامعية بشكل مباشر أو غير مباشر. كما أن عدداً من الطلبة المغاربة الذين التحقوا لاحقاً بأفغانستان أو تأثروا بخطاب "الجهاد العالمي" كانوا قد تلقوا تكوينهم الفكري الأول داخل الحلقات الطلابية. ويرى الباحث محمد ضريف أن الجامعة المغربية كانت الفضاء الذي تم فيه الانتقال من التدين التقليدي إلى التدين الحركي المؤدلج، حيث لم يعد الدين مجرد ممارسة شعائرية بل تحول إلى مشروع شامل لتغيير المجتمع والدولة.

وبالتوازي مع هذه التحولات الجامعية، كان المغرب يعيش تغيرات اجتماعية ومجالية عميقة. فقد أدت موجات الجفاف المتكررة خلال الثمانينيات وتراجع الاقتصاد الزراعي إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان القرويين نحو المدن الكبرى. وأمام العجز عن استيعاب هذه الكتل البشرية داخل النسيج الحضري المنظم، ظهرت أحياء هامشية واسعة تفتقر إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل والبنيات الثقافية. وقد وصف عالم الاجتماع الفرنسي لوي واكان هذه الفضاءات في سياقات مشابهة بأنها "هوامش حضرية متقدمة" تنتج أشكالاً جديدة من التهميش والاغتراب الاجتماعي.

في الحالة المغربية برزت أحياء مثل سيدي مؤمن بالدار البيضاء ودوار السكويلة وحي التشارك وغيرها كنماذج لهذه التحولات. فالشباب الذين نشؤوا داخل هذه المجالات وجدوا أنفسهم يعيشون حالة من الاغتراب المزدوج؛ فمن جهة فقدوا الروابط التقليدية التي كانت توفرها القرية والأسرة الممتدة، ومن جهة ثانية لم يتمكنوا من الاندماج الكامل في المدينة الحديثة بسبب الفقر والهشاشة والتهميش. وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء فراغ هوياتي وقيمي استغلته الحركات السلفية المتشددة التي قدمت نفسها باعتبارها بديلاً أخلاقياً واجتماعياً للدولة.

وتظهر أهمية هذا العامل بوضوح عند دراسة المسارات الاجتماعية لعدد من منفذي تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، حيث بينت تقارير متعددة أن معظمهم قدموا من أحياء هامشية عرفت معدلات مرتفعة من الفقر والانقطاع المدرسي والبطالة. غير أن اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده يبقى تفسيرا قاصرا، لأن الفقر في حد ذاته لا ينتج التطرف بشكل الي، وإنما يصبح عاملا مساعدا عندما يقترن بأزمة هوية وشعور بالإقصاء وانسداد افاق الارتقاء الاجتماعي. ومن هنا برز دور المساجد غير المؤطرة وبعض حلقات الوعظ غير الرسمية باعتبارها مؤسسات بديلة توفر للشباب الإحساس بالانتماء والاعتراف الاجتماعي.

وقد شهد الحقل الديني المغربي خلال الفترة نفسها تحولات لا تقل أهمية. فمنذ قرون طويلة تشكل التدين المغربي حول ثلاثية المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، وهي منظومة ساهمت في إنتاج نموذج ديني يتميز بالمرونة والتسامح والقدرة على استيعاب التنوع الثقافي المحلي. إلا أن عقد الثمانينيات عرف تدفقا متزايدا للأفكار السلفية القادمة من المشرق العربي بفعل عدة عوامل، من بينها انتشار الكتب والأشرطة الدينية، وعودة الطلبة المغاربة من الجامعات السعودية، وازدياد تأثير المؤسسات الدعوية الخليجية.

وقد حملت هذه الأدبيات رؤية مختلفة جذريا للدين والمجتمع. فبدلا من النظر إلى التدين المغربي باعتباره امتدادا للتراث الإسلامي، قدمته باعتباره تراكمات من البدع والخرافات والانحرافات العقدية. وأصبحت ممارسات دينية راسخة في الثقافة المغربية مثل زيارة الأضرحة والتوسل بالأولياء والاحتفال بالمواسم الدينية موضوعا للنقد والهجوم. ومع مرور الوقت نشأت لدى بعض الشباب قناعة بأن المجتمع يعيش حالة من الانحراف عن الإسلام الصحيح، وأن إعادة أسلمته تقتضي مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية والسلطات السياسية التي تحميها.

ومن خلال المزج بين السلفية العقدية الوهابية والأفكار القطبية الثورية تشكلت الأرضية الفكرية التي ستنبثق منها لاحقا السلفية الجهادية. وهكذا لم يعد الصراع يدور فقط حول تصحيح العقيدة، بل أصبح يتعلق أيضا بشرعية الدولة والمجتمع والنظام السياسي.

إن التفاعل بين هذه العوامل الثلاثة – الجامعة بوصفها فضاء لإنتاج النخب المؤدلجة، والأحياء الهامشية باعتبارها خزانات للتهميش والاحتجاج، والحقل الديني المتحول كمصدر للشرعية الفكرية – هو الذي يفسر بدرجة كبيرة كيفية تشكل البيئة الحاضنة الأولى للجهادية المغربية. فالجهادي المغربي لم يولد داخل المسجد فقط، ولم يتشكل داخل الجامعة وحدها، ولم يكن نتاج الفقر أو التهميش فحسب، بل كان حصيلة تفاعل طويل بين تحولات اجتماعية عميقة وخطابات دينية وافدة وسياقات سياسية محلية ودولية أعادت تعريف معنى التدين والهوية والانتماء لدى جيل كامل من الشباب المغاربة خلال الثمانينيات والتسعينيات.

الخصوصية البنيوية للجهادية المغربية 

يمكن تناول الخصوصية البنيوية للجهادية المغربية بوصفها ظاهرة تختلف عن أغلب التجارب الجهادية العربية من حيث النشأة والتنظيم وآليات الانتشار والتأثير. فبينما ارتبطت الجهادية في دول مثل مصر والجزائر بتنظيمات مركزية واضحة المعالم تمتلك قيادة هرمية وهيكلاً تنظيمياً صارماً وأهدافاً محلية مرتبطة بإسقاط الأنظمة السياسية أو مواجهتها، تشكلت الجهادية المغربية في سياق مختلف اتسم بغياب التنظيم الوطني الجامع، وحضور شبكات صغيرة ومتفرقة يجمعها الانتماء الفكري أكثر مما تجمعها الروابط التنظيمية. هذه السمة جعلت الجهادية المغربية أقرب إلى ظاهرة اجتماعية وشبكية عابرة للحدود منها إلى حركة سياسية مسلحة ذات قيادة موحدة ومشروع وطني محدد.

لقد ساهمت مجموعة من العوامل في إنتاج هذه الخصوصية. فالمغرب لم يعرف خلال الثمانينيات والتسعينيات حربا أهلية أو صراعا مسلحا واسع النطاق كما حدث في الجزائر، كما لم تتشكل داخله تنظيمات جهادية تاريخية بحجم وتأثير الجماعة الإسلامية أو تنظيم الجهاد المصري. وبدلاً من ذلك، اتجه عدد من الشباب المغاربة نحو الانخراط في الشبكات الجهادية الدولية التي تشكلت حول الحرب الأفغانية ثم توسعت لاحقا نحو مناطق صراع أخرى. وهكذا أصبح الانتماء إلى الأمة الجهادية العالمية أكثر حضورا من الانتماء إلى تنظيم مغربي محلي، الأمر الذي جعل المرجعية الفكرية والرمزية تتجاوز الحدود الوطنية منذ وقت مبكر.

في هذا السياق، ظهرت الخلايا الجهادية المغربية في صورة مجموعات صغيرة مستقلة نسبيا، تعتمد على العلاقات الشخصية وروابط الثقة والانتماء الأيديولوجي المشترك. لم تكن هذه الخلايا تحتاج إلى قيادة مركزية مباشرة أو إلى هيكل تنظيمي معقد، بل كانت تتغذى من الخطاب الجهادي العالمي ومن الأدبيات التي تنتجها التنظيمات الكبرى مثل تنظيم القاعدة. وقد منح هذا النمط من التنظيم مرونة كبيرة للشبكات الجهادية، إذ إن تفكيك خلية معينة أو اعتقال أفرادها لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار الشبكات الأخرى. كما سمح لهذه المجموعات بالتكيف مع الضغوط الأمنية وإعادة التشكل باستمرار وفق الظروف المحلية والإقليمية.

ومع التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت، ازدادت هذه الشبكية تعقيدا وفعالية. فقد أصبح الوصول إلى الأدبيات الجهادية والخطب والمحاضرات والمنتديات الإلكترونية متاحا بصورة غير مسبوقة، مما أضعف الحاجة إلى وجود تنظيم ميداني مباشر. ومن هنا برزت أنماط جديدة من الراديكالية الفردية، حيث صار بالإمكان أن يتبنى الفرد الأفكار الجهادية ويتشبع بها من خلال الفضاء الرقمي أو عبر دوائر اجتماعية محدودة دون المرور بمسار تنظيمي تقليدي. وقد أدى ذلك إلى انتقال جزء من الظاهرة من منطق التنظيم إلى منطق الشبكة، ومن مركزية القيادة إلى استقلالية الفاعلين المحليين، وهي سمة ستصبح لاحقا من أبرز خصائص الجهادية المعاصرة في مختلف أنحاء العالم.

وفي قلب هذه الدينامية برز دور النخبة السلفية التي مارست تأثيرا فكريا ورمزيا مهما على قطاع من الشباب المتدين. فخصوصية الحالة المغربية تكمن في أن العديد من الوجوه المرتبطة بالسلفية الجهادية لم يكونوا قادة عسكريين أو أمراء ميدانيين بقدر ما كانوا دعاة ومشايخ يمتلكون رأس مال دينيا ورمزيا مؤثرً. لقد انصب دورهم أساسا على إنتاج الخطاب الشرعي الذي يمنح الشرعية للأفكار الجهادية ويعيد تأويل الواقع السياسي والاجتماعي من منظور يقوم على ثنائية الإيمان والكفر، والولاء والبراء، والصراع بين الإسلام وخصومه.

وكان تأثير هؤلاء المشايخ يتجاوز حدود الفتوى المباشرة إلى بناء منظومة رمزية كاملة تفسر مشكلات المجتمع والدولة والعلاقات الدولية. فبالنسبة لكثير من الشباب الذين عانوا من التهميش الاجتماعي أو الإحساس بالاغتراب السياسي، قدم هذا الخطاب إجابات جاهزة عن أسئلة الهوية والعدالة والمستقبل. كما تحولت شخصيات دينية معروفة إلى رموز للاحتجاج والرفض، بحيث لم يعد الالتفاف حولها تعبيرا عن التزام ديني فحسب، بل أصبح أيضا شكلا من أشكال الاعتراض على الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية السائدة.

غير أن تأثير هذه النخبة لم يكن ثابتا أو أحاديا، إذ شهدت الساحة المغربية لاحقا تحولات مهمة تمثلت في مراجعات فكرية واسعة قادها عدد من رموز السلفية الجهادية من داخل السجون وخارجها. وقد ساهمت هذه المراجعات في إعادة النظر في كثير من الأطروحات السابقة المتعلقة بالتكفير والعنف والعمل المسلح، مما يكشف أن العلاقة بين الفكر الجهادي والنخبة الدينية ظلت علاقة ديناميكية خاضعة للتحولات السياسية والأمنية والاجتماعية.

ومن أبرز مظاهر الخصوصية المغربية أيضا الارتباط المستمر بساحات الصراع الخارجية. فمنذ الثمانينيات لم يكن المجال الوطني هو الساحة الأساسية لتجربة الجهادي المغربي، بل كانت بؤر التوتر الدولية تمثل المجال الأكثر جاذبية. فقد شارك متطوعون مغاربة في الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي، ثم انتقل بعضهم إلى ساحات أخرى مثل البوسنة والشيشان خلال التسعينيات، قبل أن تتجه أعداد منهم إلى العراق بعد عام 2003، ثم إلى سوريا بعد اندلاع الحرب الأهلية وصعود التنظيمات الجهادية المسلحة.

هذا الامتداد الخارجي يعكس طبيعة الوعي الجهادي لدى قطاعات من المتطرفين المغاربة، حيث يتم تصور الصراع باعتباره صراعا عالميا يتجاوز الحدود الوطنية والقومية. كما يكشف عن قوة الشبكات العابرة للدول التي لعبت دور الوسيط في عمليات التجنيد والتمويل والتعبئة الأيديولوجية. ولم يكن الدافع إلى الالتحاق بهذه الساحات مرتبطاً فقط بالاعتبارات العقائدية، بل تداخلت معه عوامل نفسية واجتماعية وسياسية، من بينها البحث عن البطولة والمعنى والانتماء، والشعور بالتضامن مع ضحايا الحروب، والرغبة في المشاركة في مشروع متخيل لإعادة بناء الخلافة أو الدفاع عن الجماعات السنية في مناطق النزاع.

وعليه، فإن الجهادية المغربية لا يمكن فهمها من خلال نموذج التنظيمات المسلحة التقليدية بقدر ما يجب تحليلها باعتبارها ظاهرة شبكية عابرة للحدود، تجمع بين التأثير المحلي والعالمي، وبين البعد الديني والبعد الاجتماعي، وبين سلطة الخطاب الشرعي وديناميات الحشد الرمزي. إنها حالة تميزت تاريخيا بضعف المركزية التنظيمية وقوة الروابط الأيديولوجية، وبحضور النخب الدينية المؤثرة أكثر من حضور القيادات العسكرية المحلية، وبالانفتاح المستمر على ساحات الصراع الخارجية التي شكلت فضاء أساسيا لإعادة إنتاج التجربة الجهادية المغربية وتطورها عبر العقود.

أحداث 16 مايو 2003 والمراجعات الفكرية 

إن السؤال حول ما إذا كانت الجهادية المغربية مجرد امتداد للتجارب الجهادية العالمية أم أنها بصدد إنتاج نموذجها الخاص، يعد من أكثر الأسئلة أهمية في دراسة التحولات الجهادية المعاصرة. فبعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، انصب اهتمام الدولة والباحثين على تفكيك الشبكات المحلية ومنابع التطرف، غير أن القراءة التاريخية الطويلة تكشف أن الظاهرة الجهادية المغربية لم تولد فجأة مع أحداث 16 ماي، بل هي حصيلة تراكمات متتالية امتدت لأكثر من أربعة عقود، بدأت مع أفغانستان، ثم مرت بالبوسنة والشيشان والعراق وسوريا والساحل الإفريقي والصومال، وتغذت في الوقت نفسه من تجربة السجون والاعتقال والمراجعات الفكرية.

لقد تميزت الحالة المغربية منذ بداياتها بخصوصية لافتة. فعلى خلاف التجربة المصرية التي أنتجت تنظيمات مركزية قوية مثل الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد الإسلامي المصري، أو التجربة الجزائرية التي أفرزت الجماعة الإسلامية المسلحة، لم يعرف المغرب تنظيما جهاديا وطنيا كبيرا يمتلك قيادة موحدة وهيكلا مركزيا مستقرا. كان الجهادي المغربي في الغالب فردا أو عضوا في شبكة صغيرة أكثر منه منتميا إلى تنظيم هرمي. ولذلك فإن الجهادية المغربية نشأت منذ البداية كـ(جهادية عابرة للحدود) قبل أن تكون جهادية محلية.

في ثمانينيات القرن الماضي، شكلت الحرب الأفغانية نقطة الانطلاق الأولى. مئات المغاربة سافروا إلى أفغانستان، وهناك اكتسبوا الخبرة العسكرية والعقائدية، واحتكوا بمقاتلين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. لكن ما يميز المغاربة هو أن أغلبهم لم يعودوا لتأسيس تنظيم مغربي داخلي، بل ظلوا جزءا من شبكات جهادية دولية. ومن هنا نشأت أولى سمات الجهادية المغربية: الارتباط بالمجال الجهادي العالمي أكثر من الارتباط بالمجال الوطني.

بعد انتهاء الحرب الأفغانية انتقل بعض هؤلاء إلى البوسنة والهرسك خلال تسعينيات القرن الماضي. وهناك تعرفوا على نموذج مختلف من الجهاد جهاد يقوم على حماية أقلية مسلمة تتعرض للتطهير العرقي. ثم جاءت الشيشان لتضيف بعدا آخر يتمثل في حرب العصابات والمواجهة غير المتكافئة مع قوة عظمى. وهكذا بدأ الجهادي المغربي يتشكل داخل فضاءات متعددة ومتنوعة، ما جعله أكثر قدرة على التكيف مع البيئات المختلفة مقارنة بنظرائه في دول أخرى.

غير أن التحول الأكبر جاء مع الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003. فقد شكل العراق مدرسة جهادية جديدة للمغاربة. وإذا كان جيل أفغانستان قد تميز بالتكوين العقائدي والتنظيمي، فإن جيل العراق تميز بثقافة العنف المفرط والانتحاريات والحرب الطائفية. وتشير العديد من الدراسات إلى أن المغاربة كانوا من أكثر الجنسيات المغاربية حضورا داخل الشبكات المرتبطة بتنظيم القاعدة في العراق. هنا بدأت الخبرات القتالية تتراكم بشكل غير مسبوق.

ثم جاءت الحرب السورية لتفتح صفحة جديدة. فقد شهدت سوريا أكبر تدفق للمقاتلين المغاربة في تاريخ الحركات الجهادية المغربية. لم يعد الأمر مقتصرا على أفراد معزولين، بل أصبح الحديث عن آلاف المقاتلين والمتعاطفين وشبكات التجنيد والدعم اللوجستي. والأهم من ذلك أن سوريا مثلت مختبرا ضخما لاكتساب مهارات عسكرية وأمنية وإعلامية وتكنولوجية متطورة. فالجيل السوري لم يتعلم فقط استخدام السلاح، بل تعلم أيضا الدعاية الرقمية والتجنيد عبر الإنترنت وإدارة الشبكات العابرة للحدود.

وفي السنوات الأخيرة برز الساحل الإفريقي والصومال كساحتين جديدتين للحضور المغربي. فالساحل، بحكم قربه الجغرافي من المغرب، يوفر بيئة مختلفة عن المشرق. إنه فضاء هش أمنيا، واسع جغرافيا، ومفتوح على أنشطة التهريب والجريمة المنظمة. وهذا التداخل بين الجهاد والجريمة يمثل أحد أهم التحولات في الظاهرة الجهادية المعاصرة. أما الصومال فقد وفر نموذجا اخر يتمثل في التنظيمات المحلية ذات الامتداد العالمي.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الجهادي المغربي راكم خبرات متعددة ومتنوعة لم تتوفر لكثير من نظرائه في المنطقة. فهو مر عبر مدارس أفغانية وبوسنية وشيشانية وعراقية وسورية وإفريقية، ما جعله يحمل ذاكرة جهادية مركبة تتجاوز التجربة المحلية الضيقة.

إلى جانب هذه الخبرات الخارجية، هناك عامل داخلي لا يقل أهمية يتمثل في تجربة السجون. فمنذ أحداث 16 ماي 2003 دخل مئات الجهاديين المغاربة إلى السجون. وقد ينظر إلى السجن من زاوية أمنية باعتباره وسيلة لعزل المتطرفين، لكنه في الوقت نفسه أصبح فضاء لإعادة إنتاج الأفكار والنقاشات والمراجعات. ففي السجون المغربية ظهرت مراجعات فكرية قادها عدد من الرموز السلفية والجهادية، من بينهم محمد الفيزازي وحسن الخطاب وأبو حفص وغيرهم.

لكن المراجعات لا تعني بالضرورة نهاية الظاهرة الجهادية. فالتاريخ يبين أن السجون تنتج مسارين متوازيين: مسار المراجعة والاندماج، ومسار التشدد وإعادة التشكل. ولذلك فإن وجود عدد كبير من المعتقلين السابقين والحاليين يشكل بالفعل خزانا بشريا ومعرفيا يحمل خبرات متراكمة في الفكر والتنظيم والعمل السري.

مع ذلك، لا يعني هذا أن المغرب يتجه حتما نحو ولادة تنظيم جهادي جديد. فهناك عوامل قوية تعرقل هذا الاحتمال، أهمها فعالية الأجهزة الأمنية المغربية، والتفكيك الاستباقي للخلايا، وتراجع الجاذبية العالمية للمشاريع الجهادية بعد انهيار ما يسمى بـ تنظيم الدولة الإسلامية ككيان إقليمي، إضافة إلى انتشار المراجعات الفكرية وتراجع الحاضنة الاجتماعية للعنف.

غير أن ما يمكن توقعه مستقبلا ليس ظهور نسخة مغربية من التجربة الجزائرية أو المصرية، بل احتمال بروز نموذج مغربي خاص يتميز بالشبكية واللامركزية. أي جهادية لا تقوم على تنظيم هرمي كبير، وإنما على أفراد وشبكات صغيرة مستقلة تتبادل الخبرات والرموز والأفكار عبر الفضاء الرقمي. وهذا في الواقع امتداد للخصوصية التاريخية للجهادية المغربية التي لم تعرف منذ نشأتها مركزا تنظيميا واحدا بقدر ما عرفت تراكما مستمرا للخبرات البشرية والقتالية والفكرية.

وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يوجد خزان جهادي مغربي؟ بل: كيف سيتفاعل هذا الخزان مع التحولات المستقبلية؟ فالتراكم التاريخي الذي بدأ في أفغانستان ولم ينته في الساحل الإفريقي أنتج جيلا يمتلك خبرات واسعة ومتنوعة. غير أن تحويل هذه الخبرات إلى مشروع جهادي مغربي جديد يظل رهينا بعوامل سياسية واجتماعية وأمنية وإقليمية معقدة. ولذلك تبدو الجهادية المغربية اليوم أقل ميلا إلى إنتاج تنظيم مركزي كبير، وأكثر ميلا إلى إعادة إنتاج نفسها في أشكال شبكية مرنة وعابرة للحدود، وهي السمة التي رافقتها منذ نشأتها الأولى وحتى الوقت الراهن.

خاتمة 

إن ولادة الجهادي المغربي هي ظاهرة مركبة تلخص أزمة التحول في المجتمع المغربي المعاصر. هي صرخة احتجاج مشوهة ناتجة عن تهميش اجتماعي، وفراغ قيمي، وتأثيرات خارجية قوية.

قائمة المراجع 

1.محمد ظريف، المغرب في مواجهة الإرهاب، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، 2004.

2.محمد الطوزي، الملكية والإسلام السياسي في المغرب، نشر الفنك، 2000.

3.أحمد التوفيق، إعادة هيكلة الحقل الديني بالمغرب: الأبعاد والدلالات، منشورات وزارة الأوقاف، 2010.

4.تقرير الحالة الدينية في المغرب، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، (أعداد متعددة).

5.Olivier Roy, L'Islam mondialisé, Le Seuil, Paris, 2002.

6.Gilles Kepel, Jihad: Expansion et déclin de l'islamisme, Gallimard, 2000.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك