أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم تعد قضية الإدانة القضائية التي طالت سعيد الناصري وعبد النبي البعيوي مجرد ملف جنائي عابر أو واقعة تخص شخصين بعينهما، بل تحولت إلى عنوان كبير لأزمة عميقة تضرب المشهد السياسي المغربي، بعدما أعادت إلى الواجهة أسئلة محرجة حول مدى قدرة الأحزاب والمؤسسات على حماية نفسها من اختراق شبكات المال المشبوه والنفوذ غير المشروع.
فبالنسبة إلى قطاع واسع من المتابعين، فإن ما كشفته هذه القضية يتجاوز المسؤوليات الفردية ليطرح إشكالية أكبر تتعلق بسلامة الحياة السياسية نفسها، في ظل تنامي المخاوف من تسرب أموال مشبوهة إلى دوائر النفوذ والتمثيل السياسي، وهو ما ساهم على مدى سنوات في توسيع فجوة الثقة بين المواطن والأحزاب والمؤسسات المنتخبة.
وتزداد حدة هذه التساؤلات، عندما يتعلق الأمر بآليات المراقبة والتتبع التي أثبتت فعاليتها في ملفات أمنية معقدة وحساسة.
فالرأي العام، يتساءل اليوم كيف أمكن لأشخاص تحوم حولهم شبهات خطيرة أن ينسجوا علاقات واسعة داخل دوائر القرار السياسي والاقتصادي دون أن تثير تحركاتهم الكثير من علامات الاستفهام في مراحل مبكرة.
ويستحضر مراقبون مفارقة لافتة في هذا السياق؛ إذ تبدو أجهزة المراقبة الإدارية والأمنية في كثير من الأحيان حاضرة بقوة في التفاصيل اليومية الصغيرة، حيث تخضع مختلف الأنشطة والإجراءات لتتبع دقيق، بينما تطرح مثل هذه القضايا الكبرى أسئلة حول كيفية مرور اختراقات خطيرة تمس صورة المؤسسات ومصداقية العمل السياسي.
كما أعادت القضية إلى الواجهة النقاش حول معايير الانتقاء داخل الأحزاب السياسية وآليات الرقابة الداخلية المعتمدة لديها، خصوصاً في ما يتعلق بتزكية المرشحين وتدبير المسؤوليات الانتخابية والتنفيذية.
فكلما انفجرت قضية من هذا الحجم، ارتفعت الأصوات المطالبة بمراجعة طرق تدبير الشأن الحزبي وتعزيز آليات الشفافية والمحاسبة.
ويعتبر عدد من المتابعين أن أخطر ما خلفته هذه الملفات ليس فقط الوقائع التي يجري تداولها داخل المحاكم، بل الأثر العميق الذي تتركه على صورة السياسة لدى المواطنين، خاصة في وقت تعاني فيه الأحزاب أصلاً من تراجع مستويات الثقة والعزوف المتزايد عن المشاركة السياسية والانتخابية.
وفي خضم هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت هذه القضية ستشكل نقطة تحول حقيقية تدفع نحو تشديد آليات المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، داخل مختلف المؤسسات والهيئات السياسية، أم أنها ستبقى مجرد محطة أخرى في سلسلة من الملفات التي تثير الصدمة والجدل قبل أن تتوارى خلف أحداث جديدة.
ومهما تعددت القراءات والتأويلات، فإن الرسالة التي أفرزتها هذه القضية تبدو واضحة، حيث أن المجتمع بات أكثر حساسية تجاه قضايا الفساد والمال غير المشروع.
وأصبح يطالب بإجابات مقنعة حول كيفية وصول بعض الأسماء إلى مواقع النفوذ والقرار، وحول الضمانات الكفيلة بحماية المؤسسات السياسية من أي اختراق يمكن أن يمس نزاهتها ومصداقيتها أمام المواطنين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك