أنتلجنسيا:أبو جاسر
لوّح الاتحاد الأوروبي، وفي تصعيد سياسي يكشف حجم القلق الأوروبي من تزايد الضغوط المرتبطة بالهجرة غير النظامية، باستخدام أوراق ضغط جديدة تجاه المغرب، تشمل ملفات حساسة مثل التأشيرات والعلاقات التجارية، في محاولة لضمان تعاون أكبر في مواجهة تدفقات المهاجرين نحو الضفة الشمالية للمتوسط.
وجاءت هذه الرسائل على لسان مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر، الذي دعا إلى توظيف مختلف أدوات التأثير المتاحة أمام بروكسيل من أجل تعزيز التعاون مع الدول الشريكة في مجال الهجرة وإعادة المهاجرين غير النظاميين، معتبراً أن الاتحاد الأوروبي مطالب ببناء شراكات أكثر فعالية وصرامة لمواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها هذا الملف المعقد.
وتأتي هذه التصريحات في سياق أوروبي متوتر أعقب الأحداث الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة، والتي أعادت ملف الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي داخل المؤسسات الأوروبية، وسط مطالب بتشديد الإجراءات ضد شبكات التهريب وتكثيف التنسيق الأمني مع الدول الواقعة على الضفة الجنوبية للمتوسط.
وأكد المسؤول الأوروبي أن ما جرى كشف الحاجة الملحة إلى اعتماد مقاربة أكثر حزماً في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر، داعياً إلى تسريع إخراج التوجيه الأوروبي الخاص بمحاربة تهريب المهاجرين إلى حيز التنفيذ، وهو المشروع الذي ظل معروضاً للنقاش داخل المؤسسات الأوروبية منذ سنوات دون أن يتم الحسم النهائي بشأنه.
غير أن هذا التوجه لم يمر دون انتقادات قوية من قبل منظمات حقوقية وإنسانية، التي حذرت من أن التشريعات المقترحة قد تؤدي إلى تجريم أشخاص أو هيئات تقدم مساعدات إنسانية للمهاجرين، معتبرة أن الخلط بين المهربين والفاعلين الإنسانيين قد يفتح الباب أمام تجاوزات تمس الحقوق الأساسية للمهاجرين واللاجئين.
وفي المقابل، شددت أصوات حقوقية أوروبية على أن أحداث سبتة ينبغي أن تدفع نحو توسيع القنوات القانونية والآمنة للهجرة والعمل والحماية الدولية، بدل الاكتفاء بالمقاربات الأمنية والعقابية التي أثبتت محدوديتها في معالجة جذور الظاهرة.
ومن الجانب المغربي، برز دفاع قوي عن الجهود التي تبذلها المملكة في مواجهة الهجرة غير النظامية، حيث أكد لحسن حداد، الرئيس المشارك للجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أن الرباط تحملت خلال السنوات الأخيرة أعباءً أمنية ولوجستية ضخمة لحماية الحدود ومكافحة شبكات التهريب.
وأشار إلى أن السلطات المغربية تمكنت من إحباط أكثر من 227 ألف محاولة للهجرة غير النظامية، إلى جانب تفكيك ما يزيد على 1050 شبكة متخصصة في تهريب البشر بين سنتي 2023 و2025، معتبراً أن هذه الأرقام تعكس حجم المساهمة المغربية في حماية الأمن الحدودي الأوروبي.
وأكد حداد أن الانتقادات تبقى أمراً مشروعاً في إطار النقاش السياسي، غير أن ذلك لا ينبغي أن يحجب الاعتراف بالمجهودات الكبيرة التي يبذلها المغرب في ملف تعتبره أوروبا نفسها أحد أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.
وفي خضم هذا الجدل، يواصل المغرب رفض الاتهامات التي تتحدث عن تساهله مع موجات العبور الجماعي نحو سبتة المحتلة، معتبراً أن جزءاً من الأزمة مرتبط أيضاً بقرارات قانونية وإجراءات إسبانية خلقت واقعاً جديداً شجع العديد من المهاجرين على محاولة الوصول إلى المدينة سباحةً أملاً في الاستفادة من الحماية القانونية.
كما تلتقي الرباط ومدريد وبروكسيل عند نقطة أساسية تتمثل في تحميل شبكات التهريب المسؤولية الرئيسية عن التحركات الجماعية الأخيرة، حيث أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إلى جانب السلطات الإسبانية والمغربية أن التنظيمات الإجرامية المتخصصة في الاتجار بالبشر لعبت دوراً محورياً في تأجيج هذه الموجة.
ويكشف هذا السجال المتصاعد أن ملف الهجرة بات يتجاوز البعد الأمني التقليدي ليتحول إلى ورقة ضغط سياسية واستراتيجية بين أوروبا وشركائها الجنوبيين، في وقت تتزايد فيه المخاوف الأوروبية من تكرار سيناريوهات العبور الجماعي، بينما يطالب المغرب باعتراف أكبر بدوره في حماية الحدود ومحاربة شبكات التهريب، رافضاً أن يتحول إلى شماعة تعلق عليها أوروبا إخفاقاتها المتراكمة في إدارة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك