أنتلجنسيا:أبو جاسر
في خطوة أثارت موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط السياسية والشعبية، أعلنت الحكومة عودتها النهائية إلى الساعة القانونية بالمملكة ابتداء من 10 شتنبر 2026، أي قبل ستة عشر يوماً فقط من موعد الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية المرتقبة يوم 26 شتنبر.
وبينما تقدم الجهات الرسمية القرار باعتباره استجابة لمطالب اجتماعية متكررة، يرى مراقبون أن توقيته يطرح أسئلة سياسية مشروعة حول ما إذا كان الأمر يتعلق بإصلاح حقيقي أم بمحاولة متأخرة لاستعادة جزء من ثقة الناخبين التي تآكلت على امتداد سنوات طويلة.
فالساعة الإضافية لم تكن مجرد إجراء تقني لتنظيم الزمن الإداري، بل تحولت منذ اعتمادها بشكل دائم إلى واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المغرب، بعدما ارتبطت لدى شريحة واسعة من المواطنين بمعاناة التلاميذ والموظفين والأسر، خصوصاً خلال فصل الشتاء، حيث يخرج ملايين المغاربة إلى أعمالهم ومدارسهم قبل شروق الشمس.
ذاكرة سياسية مثقلة بخيبات متراكمة
القرار يأتي في سياق سياسي خاص يتميز بتراجع منسوب الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة. فمنذ تجربة حكومة التناوب التوافقي سنة 1998، مروراً بحكومة إدريس جطو، ثم حكومة عباس الفاسي، وصولاً إلى حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني، وانتهاء بالحكومة الحالية بقيادة عزيز أخنوش، تراكمت وعود كثيرة اصطدمت بواقع اقتصادي واجتماعي صعب.
وخلال هذه المراحل المتعاقبة، ظل جزء مهم من الرأي العام يشعر بأن الخطاب السياسي يتغير بينما تبقى المشاكل الأساسية نفسها: البطالة، غلاء المعيشة، ضعف الخدمات العمومية، وتراجع القدرة الشرائية. لذلك فإن أي قرار حكومي كبير يصدر قبل أسابيع قليلة من الانتخابات يصبح تلقائياً عرضة للتأويل والقراءة السياسية.
لماذا الآن وليس قبل سنوات؟
السؤال الذي يتردد بقوة في الشارع المغربي لا يتعلق بمضمون القرار فقط، بل بتوقيته بالأساس. فإذا كانت الحكومة مقتنعة بأن الساعة الإضافية تشكل عبئاً اجتماعياً على المواطنين، فلماذا لم تتخذ القرار في بداية ولايتها؟ ولماذا انتظرت حتى الأسابيع الأخيرة التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية؟
هذا التساؤل يمنح خصوم الأغلبية مادة سياسية دسمة لاتهامها باستعمال ملفات تحظى بإجماع شعبي في محاولة لتحسين صورتها قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع. فإلغاء الساعة الإضافية ظل مطلباً شعبياً مطروحاً منذ سنوات، وكانت آلاف التدوينات والعرائض والاحتجاجات الرمزية تطالب بمراجعته دون أن تجد آذاناً صاغية.
استمالة انتخابية أم استجابة لمطلب شعبي؟
يرى بعض المحللين أن القرار قد يدخل ضمن ما يُعرف في العلوم السياسية بـ"الإجراءات الانتخابية ذات الأثر النفسي السريع"، وهي القرارات التي تستهدف تحقيق صدى شعبي مباشر قبيل الاستحقاقات الانتخابية.
فالناخب المغربي الذي يواجه يومياً تحديات اقتصادية واجتماعية معقدة قد ينظر بإيجابية إلى إلغاء إجراء ظل يرفضه لسنوات. غير أن السؤال الأهم يبقى: هل يكفي قرار مرتبط بالتوقيت لإعادة بناء جسور الثقة المفقودة بين المواطن والفاعل السياسي؟
العديد من المتابعين يعتقدون أن أزمة الثقة الحالية أعمق بكثير من ملف الساعة القانونية، وأنها ترتبط بإشكاليات تتعلق بالوعود الانتخابية والتنمية والعدالة الاجتماعية والقدرة على تحسين ظروف العيش.
الأحزاب أمام اختبار صعب
أحزاب الأغلبية تدرك أن الانتخابات المقبلة لن تُحسم بالشعارات فقط، بل بحصيلة خمس سنوات كاملة من التدبير الحكومي. ولذلك تبدو محاولة تقديم قرارات ذات طابع شعبي قبل موعد الاقتراع جزءاً من معركة سياسية مفتوحة لكسب أصوات الناخبين المترددين.
لكن في المقابل، تراهن أحزاب المعارضة على تقديم القرار باعتباره دليلاً على أن الحكومة كانت تملك القدرة على الاستجابة لمطالب المواطنين منذ سنوات لكنها اختارت الانتظار حتى اللحظة الانتخابية المناسبة.
بين الترحيب الشعبي والشك السياسي
مهما كانت الدوافع الحقيقية وراء العودة إلى الساعة القانونية، فإن القرار سيظل محط نقاش واسع بين من يعتبره انتصاراً لمطلب شعبي طال انتظاره، ومن يراه خطوة سياسية محسوبة بدقة في سياق انتخابي شديد الحساسية.
وفي النهاية، يبقى الحكم الحقيقي بيد الناخب المغربي يوم 26 شتنبر، حين سيقرر ما إذا كانت مثل هذه القرارات كافية لتغيير قناعات تشكلت عبر عقود من التجارب الحكومية المتعاقبة، أم أن أزمة الثقة أصبحت أعمق من أن تُعالج بإلغاء ساعة وإعادة أخرى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك