أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
عاد ملف استيراد الأغنام واللحوم الحمراء إلى واجهة النقاش
العمومي من جديد، بعدما كشفت معطيات متداولة أن وزارة الفلاحة تدرس إمكانية فتح
باب استيراد الأغنام من دول أوروبية، في خطوة أثارت ردود فعل متباينة بين من
يعتبرها حلاً مؤقتاً لتخفيف الضغط على السوق الوطنية، ومن يراها دليلاً إضافياً
على فشل السياسات المتبعة في إعادة بناء القطيع الوطني ودعم المنتج المحلي.
ويأتي هذا التوجه في وقت لم تندمل فيه بعد تداعيات الجدل الكبير
الذي رافق برامج دعم استيراد الأغنام والأبقار خلال الفترات السابقة، وهي البرامج
التي تحولت إلى مادة دسمة للنقاش داخل البرلمان وخارجه، بعدما طُرحت تساؤلات عديدة
حول المستفيدين الحقيقيين من الدعم العمومي وحجم الأموال المرصودة والنتائج التي
تحققت على أرض الواقع.
وخلال الأشهر الماضية تبادل برلمانيون اتهامات حادة بشأن ما
أصبح يعرف إعلامياً بملف "الفراقشية"، حيث طُرحت أرقام ومعطيات أثارت
استياء الرأي العام الذي كان ينتظر أن ينعكس الدعم على أسعار اللحوم لفائدة
المستهلك المغربي، غير أن الأسعار واصلت الارتفاع ووصلت إلى مستويات قياسية لم
تعرفها الأسواق منذ سنوات.
ويعتبر عدد من المتابعين أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق فقط
بالاستيراد في حد ذاته، بل في غياب رؤية واضحة تضمن تحقيق الأمن الغذائي الوطني
على المدى الطويل، إذ لا يمكن لسوق يعتمد بشكل متزايد على الخارج أن يكون محصناً
ضد تقلبات الأسعار والأزمات الدولية وتغيرات العرض والطلب في الأسواق العالمية.
كما يثير هذا الملف تساؤلات متجددة حول مصير مربي الماشية
المغاربة الذين تحملوا لسنوات طويلة آثار الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف والمحروقات
والنقل، دون أن يحصلوا على دعم كاف يسمح لهم بالحفاظ على نشاطهم وتطوير قطعانهم
وتحقيق مردودية اقتصادية تمكنهم من الاستمرار.
ويرى فاعلون في القطاع أن الأولوية كان ينبغي أن تتجه نحو إعادة
تأهيل منظومة الإنتاج المحلي عبر دعم المربين الصغار والمتوسطين وتحسين شروط
التربية والتسويق وتوفير الأعلاف بأسعار مناسبة، بدل الاعتماد المتكرر على
الاستيراد كلما ظهرت أزمة في السوق الوطنية.
وفي المقابل، يدافع بعض المهنيين عن خيار الاستيراد باعتباره
إجراءً ضرورياً في الظروف الحالية، خاصة مع التراجع المسجل في أعداد القطيع الوطني
وارتفاع الطلب على اللحوم الحمراء، مؤكدين أن السوق قد تعرف اختلالات أكبر إذا لم
يتم تعزيز العرض في الفترة المقبلة.
وتكشف المؤشرات الحالية أن أسعار اللحوم الحمراء ما زالت تشكل
عبئاً ثقيلاً على القدرة الشرائية للأسر المغربية، حيث تجاوزت أثمنة لحوم الأبقار
والأغنام مستويات يعتبرها كثير من المواطنين بعيدة عن متناول فئات واسعة من
المجتمع، وهو ما أدى إلى تراجع الاستهلاك وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لدى العديد
من الأسر.
ويحذر مختصون من أن استمرار الاعتماد على الاستيراد دون معالجة
الأسباب البنيوية للأزمة قد يؤدي إلى تكرار السيناريو نفسه مستقبلاً، حيث ستظل
الأسواق رهينة للتقلبات الخارجية بينما يتراجع الإنتاج الوطني تدريجياً نتيجة ضعف
الحوافز والاستثمارات الموجهة إلى القطاع.
كما يرى منتقدون للسياسات الحالية أن الأموال التي تم تخصيصها
لدعم الاستيراد كان من الممكن أن تساهم في إنقاذ آلاف المربين وتحسين البنية
الإنتاجية الوطنية لو تم توجيهها نحو تشجيع الإنتاج المحلي ورفع مردوديته وضمان
استقرار المربين في أنشطتهم الفلاحية.
وفي ظل استمرار الجدل حول هذا الملف، تتجه الأنظار إلى القرارات
التي ستتخذها السلطات المختصة خلال الأسابيع المقبلة، وسط مطالب متزايدة بفتح
تقييم شامل للسياسات السابقة وتحديد المسؤوليات وترتيب الأولويات بما يخدم الأمن
الغذائي الوطني ويحمي القدرة الشرائية للمواطنين.
ويبقى السؤال المطروح بقوة
داخل الأوساط الاقتصادية والاجتماعية هو ما إذا كانت العودة إلى الاستيراد تمثل
حلاً حقيقياً للأزمة أم مجرد مسكن مؤقت يؤجل مواجهة الاختلالات العميقة التي يعاني
منها قطاع تربية الماشية في المغرب منذ سنوات طويلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك