الفلاح المغربي بين مطرقة التكاليف وسندان الاستيراد هل تتخلى الحكومة عن الأمن الغذائي الوطني؟

الفلاح المغربي بين مطرقة التكاليف وسندان الاستيراد هل تتخلى الحكومة عن الأمن الغذائي الوطني؟
ديكريبتاج / الثلاثاء 23 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا

رغم المؤشرات الإيجابية التي تميز الموسم الفلاحي الحالي وعودة التساقطات المطرية إلى عدد من المناطق بعد سنوات من الجفاف، فإن حالة من التذمر تسود وسط الفلاحين الذين يؤكدون أن وفرة الإنتاج لا تعني بالضرورة تحقيق أرباح أو تحسين أوضاعهم المعيشية. فالمشكل، حسب تعبيرهم، لم يعد مرتبطاً فقط بالمناخ أو بالمردودية الزراعية، بل بتكاليف الإنتاج المرتفعة وغياب سياسات فعالة لحماية المنتوج الوطني وضمان استدامة النشاط الفلاحي.

ويشتكي الفلاحون من الارتفاع المتواصل في أسعار مستلزمات الإنتاج، بدءاً من أكياس جمع الحبوب ومواد تعليب التبن، مروراً بمصاريف النقل واليد العاملة، وصولاً إلى تكاليف التخزين والتسويق. ويرى كثير منهم أن الأرباح المتوقعة تتآكل تدريجياً أمام هذه النفقات المتزايدة، ما يجعل عدداً من المنتجين عاجزين عن تحقيق عائد يوازي حجم الجهد والاستثمار المبذولين طوال الموسم.

ويزداد هذا الشعور بالاستياء مع استمرار الاعتماد على استيراد الحبوب من الخارج، حيث يعتبر عدد من الفلاحين أن الدولة منحت الأولوية للتجار والوسطاء المستفيدين من عمليات الاستيراد، في وقت كان من الممكن توجيه جزء من هذه الموارد نحو اقتناء المحاصيل الوطنية وتشجيع المنتج المحلي. ويؤكد هؤلاء أن تكلفة استيراد بعض الحبوب لا تختلف كثيراً عن تكلفة شراء الإنتاج المغربي، بل إن جزءاً من الواردات يتعلق بمحاصيل تم تخزينها لسنوات في بلدان المنشأ.

ويعتقد منتقدو السياسة الفلاحية الحالية أن غياب برامج واسعة لاقتناء الحبوب من المنتجين المغاربة وتخزينها يشكل نقطة ضعف حقيقية في تدبير ملف الأمن الغذائي. فالدول التي تراهن على استقرارها الاقتصادي والاجتماعي، حسب رأيهم، تعتمد على تكوين مخزونات استراتيجية من المواد الأساسية لمواجهة الأزمات المحتملة والتقلبات الدولية، بينما يبقى الفلاح المغربي في مواجهة السوق وحده دون ضمانات كافية.

كما يثير هذا الوضع مخاوف مرتبطة بالمستقبل، خاصة في ظل التحولات المناخية والاضطرابات الجيوسياسية التي أصبحت تؤثر بشكل مباشر على سلاسل التوريد العالمية. ويرى العديد من المتابعين أن الاستثمار في الإنتاج الوطني وتخزينه لم يعد خياراً اقتصادياً فقط، بل تحول إلى ضرورة استراتيجية لضمان الأمن الغذائي للأجيال القادمة.

وفي الوقت الذي تتواصل فيه النقاشات حول النموذج التنموي والعدالة المجالية، تتجدد ظاهرة الهجرة القروية بشكل لافت. فعدد متزايد من سكان البوادي يختارون مغادرة أراضيهم والانتقال إلى المدن بحثاً عن فرص عيش أفضل أو مصادر دخل أكثر استقراراً، بعدما أصبحت الفلاحة بالنسبة لكثيرين نشاطاً محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون العائد.

ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان موجات النزوح القروي التي عرفها المغرب خلال العقود السابقة، خاصة قبل تسعينيات القرن الماضي، عندما استقبلت المدن أعداداً كبيرة من الوافدين من القرى. وقد ترتب عن تلك التحولات ضغط متزايد على البنية التحتية والخدمات العمومية وسوق الشغل، إضافة إلى ظهور تحديات اجتماعية واقتصادية معقدة ما تزال آثار بعضها قائمة إلى اليوم.

ويحذر فاعلون في القطاع الفلاحي من أن استمرار تراجع جاذبية العالم القروي قد يؤدي إلى تفاقم هذه الظاهرة من جديد، خصوصاً إذا استمرت الصعوبات المرتبطة بالتسويق والتمويل وضعف الدعم الموجه لصغار ومتوسطي الفلاحين. فالأرض التي كانت مصدر استقرار اجتماعي واقتصادي قد تتحول إلى عبء يدفع أصحابها إلى التخلي عنها.

وفي المقابل، يطالب الفلاحون بسياسات أكثر جرأة وإنصافاً، تقوم على تشجيع الإنتاج الوطني وتوفير آليات مضمونة لتسويق المحاصيل، إضافة إلى اعتماد برامج لشراء جزء من المنتوج المحلي بأسعار تحفيزية تسمح بتحقيق هامش ربح معقول. ويرون أن تقديم دعم إضافي ولو بفارق بسيط عن أسعار السوق قد يشكل رسالة قوية تشجع الفلاح على الاستمرار في نشاطه والاستثمار في تطويره.

كما يدعو هؤلاء إلى تعزيز قدرات التخزين الوطني وتوسيع البنيات المخصصة لحفظ الحبوب والمنتجات الزراعية، بما يسمح بتكوين احتياطات استراتيجية وتقليص الارتهان للأسواق الخارجية. فدعم الفلاح، في نظرهم، لا يقتصر على تقديم الإعانات المباشرة، بل يشمل أيضاً توفير بيئة اقتصادية تضمن له الاستقرار والكرامة وتشجعه على البقاء في أرضه والمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي للبلاد.

وتبقى قضية الفلاحة اليوم في صلب النقاش حول التنمية والعدالة الاجتماعية والسيادة الغذائية، إذ يرى كثيرون أن مستقبل المغرب الاقتصادي يرتبط إلى حد كبير بقدرته على حماية منتجيه المحليين وتحويل العالم القروي إلى فضاء جاذب للحياة والاستثمار، بدل أن يظل نقطة انطلاق نحو الهجرة والنزوح بحثاً عن فرص مفقودة في أماكن أخرى.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك