أنتلجنسيا المغرب:أبو دعاء
يعيش قطاع البناء والإنعاش العقاري في
المغرب واحدة من أصعب مراحله خلال السنوات الأخيرة، وسط مؤشرات متزايدة على تراجع
الطلب وانخفاض الإقبال على اقتناء الشقق والمساكن الجديدة، وبينما يربط البعض هذا
التراجع بارتفاع الأسعار وتقلص القدرة الشرائية للأسر، يرى كثير من المتابعين أن
أزمة الثقة أصبحت عاملا أساسيا في عزوف المواطنين عن الاستثمار في السكن، بعدما
توالت الشكاوى والفضائح المرتبطة بجودة البناء واحترام المعايير التقنية والهندسية.
لقد كان حلم امتلاك شقة أو منزل
لسنوات طويلة أحد أكبر طموحات الأسر المغربية، حيث كانت العائلة تستنزف مدخراتها
أو تلجأ إلى القروض طويلة الأمد من أجل الحصول على سكن يضمن الاستقرار والأمان،
غير أن هذا الحلم بدأ يفقد بريقه تدريجيا بعدما اصطدم عدد من المشترين بواقع مختلف
تماما عن الوعود التي تقدمها بعض شركات الإنعاش العقاري خلال عمليات التسويق
والبيع.
وتشير شهادات متطابقة لمواطنين إلى أن
بعض المشاريع السكنية الحديثة أظهرت عيوبا خطيرة بعد فترة قصيرة من تسليمها،
فالتشققات بدأت تظهر على الجدران، والرطوبة تسربت إلى الشقق، وأنابيب المياه تعرضت
للأعطاب المتكررة، فيما تحولت بعض الشبكات الكهربائية إلى مصدر دائم للقلق والخوف
بسبب ضعف الجودة أو سوء التركيب.
الأخطر من ذلك أن بعض العمارات
السكنية شهدت حوادث انهيار جزئي أثناء مراحل البناء أو بعد فترة قصيرة من انتهاء
الأشغال، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى المواطنين حول مدى احترام دفاتر التحملات والمعايير
التقنية المفروضة قانونا، وأصبحت صور الانهيارات والتصدعات تنتشر بين الحين والآخر
عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لتعمق حالة الشك في نفوس الراغبين في
اقتناء السكن.
كما برزت مشاكل أخرى مرتبطة بأشغال
السباكة والتجهيزات الداخلية، حيث اشتكى العديد من السكان من انسداد قنوات الصرف
الصحي واختناق شبكات الربط بعد أشهر قليلة فقط من الانتقال إلى مساكنهم الجديدة،
وهي مشاكل تجعل المواطن يتساءل عن مدى جودة المواد المستعملة وعن مستوى المراقبة
التي تخضع لها المشاريع قبل تسليمها بشكل نهائي.
ولم تتوقف الانتقادات عند جودة البناء
فقط، بل امتدت إلى مساطر التحفيظ والتسجيل وتسليم الوثائق القانونية، فهناك من وجد
نفسه ينتظر سنوات طويلة للحصول على الوثائق النهائية التي تثبت ملكيته بشكل كامل،
الأمر الذي خلق توترا دائما بين المشترين والمنعشين العقاريين وأدى إلى نشوء عدد
كبير من النزاعات القضائية والإدارية.
هذه الاختلالات المتراكمة ساهمت في
تآكل الثقة بين المواطنين والفاعلين في القطاع العقاري. فالمشتري الذي يسمع يوميا
عن شقق تعاني من مشاكل تقنية أو قانونية يصبح أكثر حذرا وترددا قبل الإقدام على
خطوة قد تربطه بقرض يمتد لعشرين أو ثلاثين سنة، وهكذا تحول الخوف من المفاجآت غير
السارة إلى عامل مؤثر في قرارات الشراء والاستثمار.
ويرى متابعون للشأن العقاري أن جزءا
من الأزمة الحالية يرتبط بمنطق الربح السريع الذي دفع بعض المستثمرين إلى تقليص
النفقات على حساب الجودة، فاستعمال مواد أقل جودة أو التساهل في بعض مراحل الإنجاز
قد يرفع هامش الأرباح على المدى القصير، لكنه يدمر سمعة المشروع والقطاع بأكمله
على المدى الطويل.
وفي المقابل، يجد عدد من المنعشين
العقاريين الجادين أنفسهم متضررين بدورهم من هذه الصورة السلبية التي ترسخت لدى
جزء من الرأي العام. فالمواطن أصبح ينظر بريبة إلى المشاريع الجديدة حتى عندما
تكون مطابقة للمعايير، وهو ما ينعكس على حجم المبيعات ويؤدي إلى تباطؤ حركة السوق.
كما أن استمرار أزمة الثقة يهدد
قطاعات اقتصادية مرتبطة بشكل مباشر بالبناء والإنعاش العقاري، من بينها صناعة مواد
البناء والنقل والخدمات الهندسية والمكاتب التقنية ومختلف المهن المرتبطة بالدورة
الاقتصادية للعقار، فكل تراجع في الاستثمار السكني ينعكس تلقائيا على عشرات
الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
ويؤكد مختصون أن استعادة الثقة تتطلب
تشديد المراقبة على أوراش البناء وتفعيل المحاسبة في حق كل من يثبت تورطه في الغش
أو الإخلال بالمعايير التقنية. كما تستوجب تسريع مساطر التحفيظ والتسجيل وتوفير
ضمانات قانونية أكبر للمشترين حتى يشعر المواطن بأن حقوقه محمية بشكل فعلي.
لقد أصبح واضحا أن مستقبل القطاع
العقاري في المغرب لا يرتبط فقط ببناء المزيد من الشقق والعمارات، بل ببناء الثقة
أولا، فالسوق لا يمكن أن تستعيد عافيتها ما دام المواطن يخشى أن يتحول استثمار
عمره إلى مصدر دائم للمشاكل والمتاعب. وبين شقة الأحلام وواقع الاختلالات المتكررة
تقف الثقة اليوم كأكبر رهان أمام قطاع يحتاج إلى مراجعة عميقة تعيد الاعتبار
للجودة والشفافية واحترام حقوق المستهلك.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك