أنتلجنسيا:أبو جاسر
في مشهد اقتصادي يزداد قتامة يوماً بعد يوم، تكشف المؤشرات المالية الأخيرة عن واقع مقلق يعيشه المغاربة، حيث تتسارع وتيرة الديون المتعثرة بشكل ينذر بأزمة أعمق، في وقت تواصل فيه المؤسسات البنكية والشركات المالية تحقيق مكاسب ضخمة، ما يطرح تساؤلات حادة حول من يدفع فعلاً ثمن هذا الاختلال الصارخ.
المعطيات الجديدة تؤكد أن القروض التي لم يعد أصحابها قادرين على سدادها واصلت ارتفاعها خلال بداية سنة 2026، حيث صعدت بنسبة ملحوظة لتصل إلى مستوى أعلى ضمن إجمالي القروض البنكية، بعدما كانت أصلاً في مستويات مقلقة خلال الأشهر السابقة. هذا التطور ليس مجرد رقم عابر، بل يعكس ضغطاً مالياً خانقاً على الأسر والمقاولات، خاصة مع تسجيل نسب مرتفعة في صفوف الشركات الخاصة والأفراد على حد سواء، ما يعني أن الأزمة تمس النسيج الاقتصادي والاجتماعي بشكل مباشر.
الأرقام تكشف بوضوح أن الأسر المغربية لم تعد قادرة على مجاراة تكاليف العيش والالتزامات المالية، حيث ارتفعت ديونها المتعثرة بوتيرة أسرع، وهو مؤشر على تآكل القدرة الشرائية وتفاقم الضغوط اليومية. في المقابل، لم تكن الشركات في وضع أفضل، إذ سجلت بدورها ارتفاعاً في العجز عن السداد، ما يعكس تباطؤ النشاط الاقتصادي وصعوبة الحفاظ على التوازن المالي في ظل بيئة اقتصادية غير مستقرة.
والمثير أكثر أن هذا الوضع المتأزم يتزامن مع توسع غير مسبوق في منح القروض، خصوصاً من طرف المؤسسات المالية غير البنكية، التي ضاعفت تمويلاتها بشكل لافت، سواء عبر شركات التمويل أو عبر البنوك الأجنبية أو حتى جمعيات القروض الصغرى. هذا التوسع الكبير في الإقراض يطرح إشكالية خطيرة: هل نحن أمام سياسة تغذية للأزمة بدل حلها، عبر إغراق السوق بمزيد من الديون؟
في العمق، تعكس هذه الدينامية مفارقة صارخة؛ فبينما تتفاقم مديونية الأسر والمقاولات، تستمر الكتلة المالية والاستثمارات في النمو، مدفوعة بارتفاع أدوات الدين وسندات الخزينة، ما يعني أن الأموال تتحرك وتُراكم، لكن ليس بالضرورة في اتجاه تحسين الوضع المعيشي للمواطنين. بل على العكس، يبدو أن جزءاً كبيراً من هذه السيولة يعمّق الفجوة بين الفاعلين الماليين والمجتمع.
المؤشرات المرتبطة بالاستثمارات المالية بدورها تكشف عن تحولات لافتة، حيث شهدت بعض الأدوات تباطؤاً في النمو بعد ارتفاعات قياسية، وهو ما قد يعكس بداية حذر في الأسواق أو إعادة تموقع للمستثمرين، لكن دون أن يغير ذلك من الصورة العامة: نظام مالي يراكم الأرباح، مقابل اقتصاد اجتماعي يئن تحت وطأة الديون.
هذا التناقض الحاد بين تضخم الأرباح في القطاع المالي وتدهور الوضع المالي للأسر والمقاولات يضع النموذج الاقتصادي برمته تحت المجهر، ويطرح سؤالاً مركزياً: إلى متى سيستمر هذا التوازن المختل؟ فالأرقام لم تعد مجرد إحصائيات تقنية، بل أصبحت تعبيراً صارخاً عن أزمة حقيقية يعيشها المغاربة، حيث يتحول الائتمان من أداة دعم إلى فخ مالي يثقل كاهل الجميع، باستثناء من يجنون الأرباح في القمة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك