أنتلجنسيا:أبو جاسر
فجّرت تحريات موسعة تقودها الهيئة الوطنية للمعلومات المالية معطيات مثيرة حول شبهات ثقيلة تلاحق معاملات عقارية ضخمة يُعتقد أنها استُخدمت كواجهة أنيقة لتبييض أموال قادمة من أنشطة غير مشروعة، بعدما تحولت شقق فاخرة وأراضٍ وعقارات تجارية في كبريات المدن المغربية إلى مسرح لتحركات مالية وصفت بـ“المريبة” و“المعقدة”، وسط مخاوف من اختراق شبكات دولية للسوق العقارية المغربية.
وبحسب معطيات متداولة من مصادر مطلعة، فإن شرارة هذه التحريات انطلقت عقب توصل الهيئة المختصة بإشعارات اشتباه رفعتها مؤسسات بنكية ومكاتب توثيق ومحاماة، بعدما رُصدت تدفقات مالية غير اعتيادية مرتبطة بعمليات اقتناء عقارات وأصول تجارية في مدن استراتيجية، من قبيل الدار البيضاء ومراكش وأكادير وطنجة، في ما بدا أنه نمط متكرر يثير الريبة حول مصدر الأموال الحقيقية.
وتشير خيوط التحقيق إلى أن مشتبهًا فيهم، ضمنهم مغاربة وأجانب، لجؤوا إلى أسلوب يقوم على شراء شقق راقية وبقع أرضية داخل تجزئات عقارية وأراضٍ فلاحية، قبل إعادة بيعها بوتيرة متسارعة وفي فترات زمنية قصيرة، عبر ما يشبه “المضاربات العقارية المنظمة”، وهي عمليات يُعتقد أنها استُخدمت لإدماج أموال مشبوهة داخل الدورة الاقتصادية وإخفاء مصدرها الأصلي خلف واجهة استثمار تبدو قانونية في ظاهرها.
اللافت في هذا الملف أن التحقيقات امتدت إلى رصد تحركات أسرة كاملة تتكون من زوجة تحمل جنسية أوروبية، وزوجها المغربي، وأبنائهما، إضافة إلى شقيق الزوجة الحامل للجنسية نفسها، حيث كشفت المؤشرات الأولية عن سلسلة معاملات عقارية متشعبة في مدن متعددة، همّت اقتناء بقع أرضية سكنية وتجارية أعيد بيعها بسرعة كبيرة، مع أداء الضرائب المرتبطة بالأرباح العقارية بشكل منتظم، رغم ارتفاع قيمتها، في خطوة يراها مراقبون محاولة لإضفاء “مشروعية قانونية” على أموال يحيط الغموض بمصدرها الحقيقي.
وتحوّلت شكوك أحد الموثقين إلى خيط قاد إلى توسيع دائرة البحث، بعدما أثارت انتباهه عمليات توثيق متكررة لثلاثة عقود اقتناء تخص عقارات سكنية وتجارية، ليبادر إلى إشعار الهيئة المختصة بوجود مؤشرات تستدعي التدقيق، قبل أن تتكشف معطيات صادمة بشأن امتلاك أفراد الأسرة نفسها لسبعة حسابات بنكية داخل المغرب، جرى رصد تحويلات مالية ضخمة قادمة من الخارج في اثنين منها، الأمر الذي عمّق الشبهات حول طبيعة الأموال المتداولة.
وزادت خطورة الملف بعدما أظهرت التحريات أن شقيق الزوجة، الحامل لجنسية أجنبية، سبق أن كان موضوع تحقيقات خارج المغرب، وتحديداً في فرنسا، للاشتباه في ارتباطه بمحاولات لتبييض الأموال، ما دفع المحققين إلى التعامل مع القضية باعتبارها شبكة محتملة ذات امتدادات عابرة للحدود، وليس مجرد معاملات عقارية معزولة.
وفي خلفية هذا الزلزال المالي، تفرض القوانين المغربية الخاصة بمكافحة غسل الأموال على المؤسسات البنكية والمهنيين القانونيين، من موثقين ومحامين وخبراء محاسبين، التبليغ الإجباري عن أي تحركات مالية أو معاملات تثير الشبهات، خصوصاً تلك المرتبطة بتحويلات كبيرة أو عمليات شراء وبيع متكررة لا تنسجم مع المعايير الاعتيادية للسوق.
وكشفت المعطيات المتداولة أن الأبحاث لم تتوقف عند حدود معاملات محدودة، بل امتدت إلى ملفات عقارية تجاوزت قيمتها الإجمالية 140 مليون درهم، وسط شبهات قوية حول احتمال تورط شبكات مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات، تعتمد على وسطاء ومستشارين عقاريين محترفين لإخفاء هوية المستفيدين الحقيقيين وتمويه مسارات الأموال عبر تحويلات مالية معقدة.
وفي مؤشر على حساسية الملف، سرّعت الجهات المغربية المختصة وتيرة التنسيق مع مؤسسات رقابية وقضائية أوروبية، بهدف تعقب خيوط محتملة تربط بين أباطرة مخدرات مقيمين في الخارج وأقارب يُشتبه في توظيفهم داخل المغرب لإبرام صفقات عقارية بأموال مشبوهة، في قضية تبدو مرشحة لأن تتحول إلى واحد من أكبر ملفات غسل الأموال التي هزّت السوق العقارية المغربية خلال السنوات الأخيرة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك