أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
في تحرك عسكري لافت يرفع منسوب التوتر في الضفة الجنوبية لأوروبا، باشرت البحرية الإسبانية تنفيذ مناورات عسكرية واسعة النطاق قبالة السواحل الشمالية للمغرب، في منطقة شديدة الحساسية تمتد من مضيق جبل طارق إلى بحر البوران، ما أعاد إلى الواجهة سباق التموقع البحري في واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية ازدحاماً في العالم.
المناورات، التي تحمل اسم “FLOTEX-26”، انطلقت في 11 ماي الجاري وتستمر إلى غاية 22 منه، وتُنفذ بمشاركة وحدات قتالية متنوعة تشمل فرقاطات وغواصات وسفن إنزال ووحدات مشاة بحرية، إضافة إلى قطع هجومية ثقيلة تتحرك في نطاق جغرافي يمتد من خليج قادس وصولاً إلى محيط سبتة المحتلة، في مشهد يعكس حجم الاستعدادات العسكرية الإسبانية في جبهتها الجنوبية.
وتقدّم البحرية الإسبانية هذه التدريبات باعتبارها أكبر تمرين سنوي لتقييم الجاهزية العملياتية لقواتها البحرية، مع التركيز على سيناريوهات معقدة تتراوح بين الحروب التقليدية وإدارة الأزمات البحرية، تحت شعار حماية ما تصفه مدريد بـ“المصالح الاستراتيجية الإسبانية في البحر”، في خطاب يعكس تصاعد الحساسية الأمنية في المنطقة.
ويشارك في هذه المناورات أسطول بحري ثقيل يتقدمه حاملة الطائرات/سفينة الإنزال “خوان كارلوس الأول”، إلى جانب سفن هجومية برمائية، وفرقاطات قتالية من بينها “رينا صوفيا” و“فيكتوريا”، فضلاً عن الغواصة “غاليرنا”، وكاسحات ألغام ووحدات إنزال متخصصة، ما يجعل التمرين واحداً من أكثر التحركات البحرية كثافة خلال السنة الجارية.
ولا تقتصر التدريبات على العمليات التقليدية، بل تشمل أيضاً محاكاة لحروب متعددة الأبعاد، من بينها إدارة الأزمات الافتراضية، وإنزالات برمائية هجومية، وحروب إلكترونية متقدمة تتضمن التشويش على أنظمة الملاحة العالمية (GPS)، في إشارة إلى مستوى التطور التقني الذي بات يطبع العقيدة العسكرية الإسبانية في البحر.
ويأتي هذا الاستعراض العسكري في سياق يتسم بتصاعد الحضور الدفاعي الإسباني في محيطها الجنوبي، حيث تواصل مدريد الترويج لخطاب “الردع” و“حماية السيادة والمصالح الحيوية”، خاصة في المناطق القريبة من السواحل المغربية، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى المشهد الأمني الإقليمي.
وبين الطابع التدريبي المعلن والأبعاد الجيوسياسية غير المعلنة، يرى مراقبون أن هذه المناورات تحمل رسائل تتجاوز حدود التدريب العسكري الروتيني، لتلامس حساسية المجال البحري المشترك بين المغرب وإسبانيا، في وقت يظل فيه مضيق جبل طارق وبحر البوران فضاءً مفتوحاً على أكثر من قراءة استراتيجية، بين التعاون والتنافس، وبين التهدئة وإعادة رسم موازين الردع غير المعلنة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك